نهر النيل والجحود البيئي
كان نهر النيل، وهو أحد أسباب حياة الملايين ووجودهم الجغرافي، يغضب لأيام معدودات، يعود بعدها إلى مجراه مخلّفاً طمياً يُعدّ من المنح المنتظرة، وتعويض بيئي لمَن تعطّل نشاطهم، واهباً خصباً تتفتّح له مسام الأرض التي أهلكتها الزراعة غير المرشدة، وغسلاً لما تشرّبته عروقها من سموم المخصّبات والمبيدات، فيعيدها سيرتها الأولى لتمارس العطاء.
حول النهر وفروعه وروافده في السودان تكدست المدن والقرى، والنشاط البشري، حتى باتت الحياة ترتبط بالمجرى، مثلما هو الأمر في عدد من الدول النامية، حيث الأنهار ترعى أنماط العلاقات، من تعايش وتكافل وتطفل وتنافس وافتراس، كل ذلك في ظل نُظم موزونة بلا خلل، حتى بدأت التدخلات البشرية السافرة، والمحكومة بأطماع فردية، وسياسات لا تُراعي ضرورة استدامة الموارد، تتّخذ شكل الجحود، فتمددت الجسور والسدود، وتهدّدت حياة الكائنات المائية.
كان مجرى النهر في عدد من المناطق، وقبل اندلاع الحرب الحالية، قد أصبح مغسلة لسموم التعدين الأهلي وتركيزات المشتقات الكيماوية، الأمر الذي ما كان له أن يكون بهذا الانتشار لولا أن سياسات التنمية المتوازنة قد ضاعت في سرابيل الفساد، وأوصدت أبواب التنمية الريفية، ليتركّز كل النشاط الاقتصادي والتجاري حول النهر، بينما أصاب مناهج التعليم ما أصابها، وخلت باحات المدارس من المعلّم والمنهج الذي كان من شأنه أن يُبقي النسبة الأعظم من الشباب قريبين من ذواتهم وبيئتهم، ومن إدراك ماذا يعني الوطن والمواطن، وبعيدين عن حاجة الالتحاق بجيوش المعدنين، أو الملتحقين بالمجموعات العسكرية. بعيدون عن قوائم الهدم والتدمير، وقريبون من سكة التعمير والنماء.
أدى ازدياد أعداد من يعيشون حول الحوض إلى تلوثه واستنفاد مياهه، بينما يهدّد تغير المناخ بما هو أخطر. ويخشى كثيرون أن التنافس حول مياه النيل المتضائلة قد يؤدي إلى اندلاع نزاعات إقليمية. ووفقاً للأمم المتحدة، ففي خمس من دول الحوض، وهي السودان، وإثيوبيا، ومصر، وأوغندا، وجنوب السودان، سيزيد عدد السكان إلى 396 مليون نسمة في عام 2030، وتصل نسبة الاعتماد الكلي على الاحتياجات المائية إلى 95% في بعض هذه
ارسال الخبر الى: