يقف كي لا تموت الذاكرة
في مدرجات الملاعب المغربية، حيث تستضيف المملكة نهائيات كأس أمم أفريقيا، لا يمر ميشال كوكا مبولادينغا مرور العابرين، بل يحضر كعلامة فارقة في مشهد كروي وإنساني استثنائي. وسط الجماهير الصاخبة، يقف هذا المشجع الكونغولي في صمت مهيب، ثابتًا كأنه خارج الزمن، متحديًا الإيقاع السريع للمباريات، ومحولًا المدرج إلى فضاء ذاكرة وتأمل.
جاء ميشال من الكونغو ليشجع منتخب بلاده، حاملًا حلم وطنه وأفريقيا على كتفيه. لا يهتف، لا يلوّح بالأعلام. يقف طوال زمن المباراة، دقيقة بعد دقيقة، شوطًا بعد شوط، محافظًا على وضعية تمثال باتريس لومومبا التذكاري في كينشاسا. جسده منتصب، عيناه شاخصتان، وملامحه جامدة كأنها منحوتة من صخر التاريخ. صموده الجسدي انعكاس لصمود الذاكرة، وثباته في الوقوف شهادة على وفاء لا يكل.
بهذا الحضور الصامت، يجسد ميشال أكثر من مجرد تشجيع رياضي. إنه يستدعي روح باتريس لومومبا، رمز التحرر الأفريقي، ويعيده إلى الواجهة في قلب حدث كروي قاري. لومومبا لم يكن رجلًا عاديًّا، ليس فقط في تاريخ الكونغو، بل في تاريخ قارة بأكملها. كان صوت أفريقيا الحر، الذي آمن بأن الاستقلال لا يعني فقط رفع علم جديد، بل يقتضي تحررًا اقتصاديًّا وسياسيًّا حقيقيًّا، يقطع مع التبعية ويضع حدًّا لاستنزاف الثروات ونهب مقدرات الشعوب، وبث النعرات بين أبناء الوطن الواحد.
واجه لومومبا الاستعمار بجرأة نادرة، وتحدث بصراحة عن الظلم والاستغلال، فكان ذلك سببًا في تصفيته سنة 1961. لم يُغتل رجل فقط، بل جرى اغتيال حلم أمة بأكملها في التحرر والكرامة. حاولوا محو أثره، فذوّبوا جسده في الأسيد، غير أن التاريخ أبى أن يتواطأ مع الجريمة ومع القتلة والمجرمين. وبعد واحد وستين عامًا، عادت أسنانه إلى العلن، لتؤكد أن الحقيقة قد تُخفى، لكنها لا تُدفن.
في الملاعب المغربية، يعيد ميشال كوكا مبولادينغا لهذا التاريخ نبضه. يقف شامخًا، متحديًا التعب وطول المباريات، كأنه يقول إن الذاكرة لا تُرهق، وإن الوفاء للتاريخ فعل مقاومة. صموده ليس استعراضًا، بل موقفاً أخلاقياً، وثباته رسالة صامتة مفادها أن أفريقيا لا تنسى أبناءها الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للحرية.
ارسال الخبر الى: