منصات الموسيقى خريطة رأس المال ودعم دولة الإبادة

67 مشاهدة
لم تعد صناعة الموسيقى في العقدين الأخيرين مقتصرة على إنتاج الألبومات والأغاني بل تحولتلمنصات رقمية عملاقة مثل سبوتيفاي وديزر وآبل ميوزك إلى أدوات فعل اقتصادي وسياسي عابر للحدود فمنذ صعود آي تيونز مطلع الألفية وصولا إلى العقد الثاني من القرن الحالي الذي ترسخت فيه هيمنة خدمات البث لم تعد هذه الشركات مجرد موزع ثقافي بل باتت بنى تحتية رقمية تتحكم بالتدفق الموسيقي العالمي وتراكم بيانات المستخدمين وهذا التحول كان من شأنه جعل الموسيقى جزءا من شبكة أوسع ترتبط بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمال وفي حالات كثيرة بميادين الحروب ظهر هذا التشابك بوضوح مع بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة لينكشف معها من اصطفافات سياسية واستثمارات قوى مالية نافذة في الحرب ففي يونيو حزيران الماضي أعلن الرئيس التنفيذي لمنصة سبوتيفاي دانييل إك عن استثمار ما يقرب من 600 مليون دولار في شركة Helsing السويدية وهي شركة ناشئة متخصصة في تطوير برمجيات عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدعم ما تسميه بـالجيوش الديمقراطية لعبت الشركة دورا في الحرب الروسية الأوكرانية إذ وفرت برمجيات لتحليل البيانات الميدانية لحظيا وأنظمة للطائرات المسيرة ودعمت أنظمة قتالية برية وبحرية وجوية مع تركيز خاص على الحرب الإلكترونية والتعرف على الأهداف لكن ما جعل استثمار إك مثيرا للشبهات أن الجولة التمويلية التي قادها رفعت القيمة السوقية لـHelsing إلى نحو 12 مليار يورو وجعلته رئيس مجلس إدارتها وليس مجرد مستثمر فيها وبعد انسحاب فرق موسيقية عدة من سبوتيفاي وانتشار حملات المقاطعة التي شملت الفرقتين الأميركيتين Xiu Xiu وDeerhoof والفرقة الأسترالية King Gizzard أعلن إك أن قراره هو نوع من الاستثمار في أمن الديمقراطيات الأوروبية في ظل ما وصفة بـالتهديدات العالمية لكن كثيرا من الفنانين والناقدين رأوا في ذلك ازدواجية صارخة معتبرين أن ثروته التي راكمها من الموسيقى والتي وصلت إلى 3 4 مليارات جنيه إسترليني يعاد توجيهها الآن إلى صناعة السلاح المفارقة أن هذه الأزمة جاءت بينما كانت سبوتيفاي تحاول رسم صورة إنسانية لها في الحرب الروسية الأوكرانية إذ علقت نشاطها في روسيا وقللت ظهور محتوى روسي رسمي أما على المقلب الآخر في حرب غزة فاقتصر موقفها على عبارات تعاطف عامة من دون إدانة واضحة بل وصل الأمر إلى إزالة أغنية دمي فلسطيني لمحمد عساف بعد ضغوط منظمة نؤمن بإسرائيل أعلنت أنها تنسق خطواتها عن كثب مع السفارة الإسرائيلية في لندن تورط منصات موسيقية في دعم الحروب لم يعد مجرد موقف علني أو إعلان صريح وواضح عن السياسة التي تقف خلفها أيديولوجيا رأس المال ففي مايو أيار 2024 وبعد مرور ما يقرب من ثمانية أشهر على بدء حرب الإبادة في غزة كشفت واشنطن بوست استنادا إلى تسريبات من مجموعة دردشة على تطبيق واتساب أن مجموعة من رجال الأعمال النافذين حثوا عمدة نيويورك إريك آدامز على استخدام الشرطة لقمع اعتصامات طلاب جامعة كولومبيا المؤيدة لفلسطين لم يكتف هؤلاء المليارديرات بتمويل حملة العمدة بل عرضوا دفع تكاليف محققين خاصين لتفكيك الاحتجاجات التسريبات ضمت أسماء شهيرة ولها ثقلها في عالم الاستثمارات ومن هؤلاء هوارد شولتز ستاربكس ومايكل ديل ديل تكنولوجيز وجوشوا كوشنر شقيق جاريد كوشنر ودانيال لوبيتزكي ودانيال لوب وجوزيف سيت لكن الاسم الأبرز الذي يربط هذه القصة بعالم الموسيقى هو الملياردير لين بلافتنيك أحد أغنى رجال الأعمال في العالم بثروة تقدر بما بين 25 و35 مليار دولار يملك بلافتنيك عبر شركته الاستثمارية Access Industries حصصا مؤثرة في Warner Music Group إحدى كبريات شركات الموسيقى العالمية وهو من أكبر المساهمين في منصة البث الفرنسية الشهيرة ديزر إضافة إلى استثمارات في الإعلام والعقارات الفاخرة والموضة اللافت أن بلافتنيك معروف بدعمه السخي لإسرائيل إذ مول جامعات ومؤسسات إسرائيلية بملايين الدولارات وهنا يبرز السؤال الأخلاقي هل تبقى منصات موسيقية مثل ديزر ووارنر كيانات ترفيهية محايدة أو بمعزل عن الصراعات السياسية أم أن ارتباطها الوثيق بمالك يوجه أمواله ومواقفه لدعم إسرائيل يجعل أرباحها جزءا من شبكة تمويل غير مباشرة لسياسات مرتبطة بالحرب بعبارة أخرى القضية ليست في المنصات نفسها بوصفها كيانات تجارية بل في السلطة المالية والسياسية التي يمارسها مالكها الأساسي ما يتيح لنا أن نتساءل عن العلاقة المتشابكة والمعقدة للموسيقى مع رأس المال العالمي والاستثمارات القابعة خلفها والحدود المائعة بين الترفيه والتكنولوجيا والاستثمار في الحروب على المقلب الآخر وإلى جانب المنصات الغربية العملاقة برزت أنغامي بوصفها أول منصة موسيقى عربية كبرى أسسها عام 2012 إيلي حبيب وإيدي مارون لتصبح بسرعة لاعبا محوريا في سوق البث الموسيقي بالمنطقة واصلت أنغامي شراكاتها مع كبريات شركات الموسيقى العالمية مثل Universal Music Group وSony Music Entertainment وWarner Music Group وMerlin Network ما جعلها مرتبطة عمليا بالبنية التحتية ذاتها التي تتحكم بالتدفق الموسيقي العالمي لكن علاقة أنغامي بالملف الفلسطيني كانت أعقد فخلال حملة المقاطعة أثيرت تساؤلات واسعة حول وجود محتوى إسرائيلي على المنصة بما في ذلك بودكاست من صحيفة Times of Israel وبعد ضغوط الحملة بدأت المنصة بحذف هذا المحتوى تدريجيا أكدت في اتصال مباشر مع منظمي الحملة أنها تعمل على حظر المحتوى الإسرائيلي مطلقا في بنيتها البرمجية وأطلقت منذ أكتوبر تشرين الأول 2023 مبادرة في حب فلسطين لتعزيز حضور المحتوى الفني والشعري الفلسطيني المفارقة أن أنغامي وعلى الرغم من مواقفها المعلنة تبقى مرتبطة تعاقديا مع الشركات الموسيقية العالمية الكبرى وارنر ويونيفرسال وسوني بمعنى آخر تعمل المنصة ضمن منظومة إنتاج موسيقي عالمية يتحكم بها الثلاثة الكبار وهي شركات ترتبط باستثمارات وصفقات مالية وتجارية مثيرة للجدل مع إسرائيل تمتلك أنغامي روابط مباشرة مع هذه الشركات عبر تعاقدات ترخيص وتوزيع إضافة إلى التزامها بالسياسات العالمية المتعلقة بحقوق الملكية ومنها ما يخص مواجهة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي هذه الصلة تجعلها جزءا من البنية التحتية الموسيقية التي تديرها الشركات الثلاث لا تقتصر أدوارها على كونها موردة بل تتجاوز ذلك إلى فرض نفوذ استراتيجي على سوق البث الموسيقي في المنطقة في بيانات أنغامي الرسمية يؤكد دوما أن استمرار المنصة مرهون باستمرار هذه التراخيص أي أن العلاقة ليست عرضية بل جوهرية لوجودها بكلمة مختصرة أنغامي قائمة على تراخيص الكبار الثلاثة ومن دونها تفقد أهميتها أمام منافسيها مثل سبوتيفاي وديزر وبالنسبة إلى سوني غروب فقد وثقت تقارير حقوقية استخدام جيش الاحتلال الاسرائيلي لتقنيات تصوير عالية الجودة وحساسات ضوئية من تصنيع شركة سوني اليابانية عثر عليها داخل عدة صواريخ اسرائيلية استخدمت خلال الحرب على غزة بالنسبة إلى سوني ميوزك فالوضع أبرد سياسيا إذ لا توجد روابط علنية مباشرة بين قياداتها والحكومة الإسرائيلية لكن الشركة الأم Sony Group لديها حضور في إسرائيل منذ استحواذها عام 2016 على شركة Altair للرقائق الإلكترونية التي أعيدت تسميتها إلى Sony Semiconductor Israel هذا استثمار تقني وتجاري وقد ظهرت في 2025 تقارير عن احتمال بيع هذا الفرع عند النظر في علاقات شركات الموسيقى الكبرى بإسرائيل يتضح أن الصورة أكثر تركيبا مما تبدو عليه للوهلة الأولى وارنر ميوزك غروب مثلا لا تنخرط مباشرة في عقود عسكرية لكن مالكها الرئيسي الملياردير لين بلافتنك عبر شركته Access Industries ظل لاعبا نافذا في المشهد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي فقد كان شريكا في ملكية القناة 13 الإسرائيلية هذا كله يوضح أن الخيط الذي يربط وارنر بالسياسة الإسرائيلية لا يمر عبر الشركة مباشرة بل عبر خيارات مالكها ونشاطاته الخيرية والاستثمارية مثل تمويله مراكز بحثية في جامعة تل أبيب متخصصة في الأمن السيبراني إلى جانب ذلك لم تخف وارنر موقفها العلني إذ أصدرت بيانا بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 أدانت فيه حماس وعبرت عن تضامنها مع إسرائيل والجالية اليهودية حول العالم أما يونيفرسال ميوزك غروب فهي حالة مختلفة هنا نتحدث عن وجود تجاري مباشر في إسرائيل منذ 2021 عبر فرع Universal Music Israel وفرع النشر UMPG Israel ما جعلها هدفا لحملات المقاطعة BDS التي وصفت نشاطها بأنه شكل من أشكال التطبيع الثقافي لكن المثير للانتباه أن الجدل لا يقف عند حدود السوق الموسيقي بل يمتد إلى هوية المساهمين فعائلة بولوريه الفرنسية التي تمتلك نحو 18 5 من أسهم يونيفرسال معروفة بنفوذها الإعلامي ومواقفها اليمينية وقد ربطت تقارير صحافية بينها وبين موجة تشدد رقابي في فرنسا أثناء حرب غزة 2023 حين توقفت دار فايار عن توزيع كتاب إيلان بابيه حول النكبة الفلسطينية إضافة إلى ذلك يملك المستثمر الأميركي بيل أكمان نحو 4 7 من أسهم الشركة وهو شخصية بارزة في وول ستريت لم يخف مواقفه المؤيدة لإسرائيل حتى أنه دعا علنا إلى فضح أسماء طلاب هارفارد الذين انتقدوا الممارسات الإبادية الممنهجة التي اتخذتها اإسرائيل هذه الشبكة من المصالح السياسية والإعلامية لا تجعل يونيفرسال شركة عسكرية لكنها تضعها في قلب جدل واسع حول تقاطع المال والثقافة مع الصراع

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح