سرقة أنياب الكلب وهو ينبح
ليس النباح دائمًا علامة قوّة. ينبح الكلب، حسب الحكمة الشعبيّة، خوفاً على نفسه تحديداً. النباحُ ردّة فعلٍ عصبيّة على خطرٍ محتمل. إعلانُ هشاشة قبل أن يكون استعراض شراسة. لذلك كان القدامى لا يطمئنّون إلى الكلاب كثيرة النباح، قائلين بيقين المجرّب: النبّاح لا يعضّ. لم يكن مقصدهم نباحَ ديوجين السينوبيّ، طبعاً، بل الزعيق الذي يملأ الأفق ولا يُخيف ظالمًا. غير أنّ المأساة تبدأ حين يتحوّل النباح إلى بديلٍ عن العضّ، وحين يُفصل الصوت عن القدرة. في تلك المنطقة الرماديّة بالضبط، يمكن قراءة قضيّة جيفري إبستين، لا بوصفها فضيحة أخلاقيّة، بل باعتبارها نموذجاً مكتملاً لعالمٍ يتقن سرقة الأنياب وهو يرفع مستوى الضجيج.
ما الذي حدث؟ المال في كانيباليّته الصفيقة. الذكوريّة في بشاعتها العارية. الأنوثة في هوانها الفظيع. لقد كُشِف كلُّ شيء تقريبًا، باستثناء ما ينبغي أن يُكشف: أسرار تحويل التسلّط إلى نخاسة، ومفاتيح شبكة القوّة التي تجعل من رجلٍ واحد عقدةَ تقاطُعِ السياسة والمال والسلاح والمعلومات والإعلام. لقد نبح العالم طويلاً من حول إبستين، مثلما نبح من حول البريطاني جيمي سافيل، لكنّه لم يعضّ حقًّا. وهذا ليس فشلاً بل آليّة عمل: تُترك الكلمات حيّةً بما يكفي كي لا يبدو المجتمع صامتاً، لكن يُنزع منها عقارُها كما تُنزع مادّة الكافيين من القهوة. هكذا يُولَد عالمُ النباح المُعقَّم: عالم يشجّع الضجيج، يكافئه، يصنّفه، يمنحه منصّات وجوائز ومواسم، شرط أن يكون بلا أنياب.
يصعُب على مخيّلة أعتى السينمائيّين تصوُّرُ الجرائم التي ارتكبت في قصر إبستين وجزيرته. لكنّ الأصعب إدراك الطريقة التي جرى بها امتصاص الصدمة. فبدلاً من تحويل الفضيحة إلى سؤال جذريّ عن طبيعة النخب، جرى اختزالها في شخصٍ واحد: المنحرف، الوحش، الشاذّ. هكذا تعمل المؤسّسة الخبيثة: تُفرغ الغضب من قدرته عبر توجيهه نحو أكباش فداء. تتيح للمتابعين أن ينبحوا من حول جسد الجريمة لا أن يتباحثوا في البنية التي أنتجته. أمّا مسألة الوفاة داخل السجن فهي قصة أخرى يبلغ من حولها النباح ذروته: انتحار أم تصفية؟ سؤالٌ نموذجيّ لإدامة الضجيج بلا نتيجة. نظريّات لا
ارسال الخبر الى: