مقامرة هرمز تهديد الممرات للاقتصاد العالمي

46 مشاهدة
لم يعد التوتر القائم في إيران مجرد فصل جديد من فصول الصراعات السياسية التقليدية التي اعتادها الشرق الأوسط فالمشهد اليوم مختلف تماما إذ تحولت الجغرافيا من مسرح للعمليات العسكرية إلى سلاح جيواقتصادي بالغ الخطورة وبينما تتجه الأنظار إلى أسراب المسيرات وصواريخ الدفاع الجوي تدور المعركة الأعمق والأكثر تأثيرا في صمامات الغاز وممرات الشحن وشاشات البورصات العالمية التي تكتسي بالأحمر يوما بعد يوم وما نشهده اليوم في مسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يجسد إلى حد كبير ما حذر منه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حيث تتبنى طهران استراتيجية المناطق الرمادية وهذه الاستراتيجية لا تهدف إلى خوض معارك بحرية كبرى ضد أساطيل متفوقة تكنولوجيا بقدر ما تسعى إلى جعل كلفة استمرار الحرب غير مستدامة للغرب والشرق معا فمجرد زرع لغم واحد في مضيق هرمز أو حتى التلويح بذلك قد يدفع شركات التأمين العالمية مثل لويدز لندن إلى رفع أقساط الشحن بنسب كبيرة قد تصل إلى 500 وهنا لا يكون الهدف تدمير السفينة بل تدمير الجدوى الاقتصادية للإبحار في أهم ممر مائي عالمي بما يضع صناع القرار في واشنطن وبرلين وبكين أمام ضغط شعبي متصاعد مع ارتفاع أسعار الوقود محليا تتبنى طهران استراتيجية المناطق الرمادية وهي لا تهدف إلى خوض معارك بحرية كبرى ضد أساطيل بقدر ما تسعى إلى جعل كلفة استمرار الحرب غير مستدامة للغرب والشرق معا وفي السبعينيات كانت الأزمة أزمة نفط أما اليوم فالأزمة لا تقتصر على النفط بل تمتد إلى الغاز والمواد الوسيطة وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقاريرها الأخيرة إلى أن انقطاع 20 من إمدادات الغاز المسال العالمية المارة عبر هرمز قد يضع القارة الأوروبية أمام شتاء صناعي قاس ولم تقتصر الصدمة على جيوب المستهلكين بل أصابت عصب الصناعات الثقيلة مثل الأسمدة والصلب والكيماويات فيما بدأت سلسلة التوريد المكسورة من حقول الغاز القطرية لتنتهي في مصانع التكنولوجيا في تايوان ومزارع القمح في أفريقيا وهكذا تتكرس صورة ما يمكن وصفه بأكبر تحد لأمن الطاقة في التاريخ الحديث وعلى الجانب الآخر من المشهد يبرز زلزال مالي صامت ترصده مؤسسات التمويل الدولية ففي غضون عشرين يوما فقط فر ما يزيد على 42 مليار دولار من الأسواق الناشئة القريبة من منطقة الصراع بحثا عن ملاذات آمنة وقد خلق هذا النزوح الجماعي لرؤوس الأموال ضغطا هائلا على العملات المحلية وأدخل البنوك المركزية في مواجهة خيارات شديدة الصعوبة بين رفع الفائدة أو الانهيار النقدي والأخطر من ذلك أن الشرخ الذي بدأ يتسع في النظام النقدي العالمي قد يدفع قوى كبرى إلى تسريع بناء أنظمة دفع بديلة بعيدا عن هيمنة الدولار بما يفتح الباب أمام تغيرات عميقة في شكل النظام المالي الدولي في المحصلة يبدو أن الانتصار العسكري الخاطف إن تحقق لن يكون كافيا لمداواة جراح الاقتصاد العالمي فالأضرار التي طالت الثقة الائتمانية وسلاسل التوريد والتي اضطرت إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بكلفة مضاعفة صنعت واقعا اقتصاديا يتسم بملامح ركود تضخمي ممتد نحن في عام 2026 لا نحارب فقط من أجل حدود جغرافية بل من أجل استعادة انسيابية العيش التي وفرتها العولمة الرخيصة يوما ما والتي يبدو أنها غرقت اليوم في مياه الخليج المشتعلة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح