غزة تسقط أسطورة شعب الله المختار

تتعرّض مقولة «شعب الله المختار» اليوم، لأقوى تحدٍّ منذ الحرب العالمية الثانية، ليس من داخل الفكر العربي أو الإنساني التقدمي، بل من داخل الغرب ذاته، ومن شخصيات كانت حتى الأمس القريب تُعدّ حُرّاسًا للعقيدة الصهيونية. هذا التحول الفكري لا يقتصر على الجانب الديني أو الأخلاقي، بل يمتد إلى عمق السياسة الغربية، خصوصًا في الولايات المتحدة، حيث تتداعى الأسس الأيديولوجية التي قامت عليها الصهيونية وحلفاؤها في التيار الإنجيلي الأمريكي.
في مطلع أكتوبر، فجّر الإعلامي الأمريكي المحافظ، تاكر كارلسون، قنبلة فكرية حين قال في إحدى إطلالاته «إن الله لا يختار شعبًا يقتل الأطفال والأبرياء». لم يكن موقفه صحوةً إيمانية فحسب، بل إدراكًا سياسيًا لمدى تآكل مبدأ «أمريكا أولًا» أمام هيمنة المصالح الإسرائيلية. فالرجل، الذي كان أحد أبرز المدافعين عن إسرائيل ونظامها الاستعماري، والمناهضين للمهاجرين والمسلمين، بدأ يكتشف أن التحالف مع مشروع ديني عنصري وعدواني يضرّ بمصالح أمريكا نفسها، ويشوّه قيمها المُعلنة عن الحرية والمساواة. ومنذ تفجير هذه القنبلة، يتعرض توكر لحملة تشويه شرسة وتهديدات من اللوبي الصهيوني في اليمين الأمريكي المتطرف، لكن ذلك لم يردعه عن مواصلة نقده العلني لسياسات إسرائيل ودونالد ترامب.
يستدعي موقف كارلسون إلى الأذهان رفض الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا، قبل أربعة قرون، للمقولة ذاتها، ولموقفه الأكثر عمقًا وجرأة. فقد اعتبر سبينوزا أن البشر جميعًا متساوون أمام الله والطبيعة، وأن «الاختيار الإلهي» إن وُجد، لا يعني تفوقًا عرقيًا أو امتيازًا دنيويًا، بل مسؤولية أخلاقية وروحية تجاه الآخرين. دفع ثمن جرأته غاليًا، حين كفّره المجمّع اليهودي في أمستردام، وحُرم من جماعته، وتعرض لمحاولة اغتيال، لكنه مهّد بذلك لولادة العقل الفلسفي الحديث في أوروبا، قبل أن يموت بالسلّ في الرابعة والأربعين من عمره. وقد وصفه الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل لاحقًا بقوله: «من لم يقرأ سبينوزا لا يمكن أن يكون فيلسوفًا».
اليوم، يتجدد هذا التمرّد على الخرافة الصهيونية، لا عبر الفلاسفة وحدهم، بل من خلال صمود الشعب الفلسطيني نفسه، الذي كشف زيف الأسطورة الأخلاقية التي طالما برّرت جرائم إسرائيل. فالمجازر التي
ارسال الخبر الى: