سام برس الهدوء الذي يصنع العاصفة

بقلم/ محمد الرميحي
تصلني من ناشري مجلة «القافلة»، وهي مجلة ثقافية عريقة تصدرها «أرامكو»، أعدادها الفصلية منذ سنوات. في الوقت الذي فقدت فيه بعض المجلات العربية الثقافية عرشها المرموق بسبب فقدها القدرة على مسايرة التطورات، بقيت «القافلة» تتجدد، وفي العدد الأخير لفت نظري تنويه قصير عن كتاب للمؤلف الأميركي غال بيكرمان بعنوان «الهدوء قبل العاصفة».
ولم يكن ما نشرته المجلة سوى عرض موجز، لكنه كان كافياً لأن يدفعني إلى البحث عن الكتاب وقراءة ملخص واسع وممتع له. يحدث أحياناً أن يقودك سطران، كما يحدث معي، إلى فكرة تبقى معك أياماً،
الفكرة التي يدور حولها الكتاب تبدو في ظاهرها بسيطة، ولكنها معاكسة لما كنت على قناعة به، فالكاتب يرى أن الأحداث الكبرى لا تبدأ عندما يلتفت إليها الجميع، بل قبل ذلك بوقت طويل، حين تكون مجرد نقاش بين عدد قليل من الناس.
التحول السياسي ليس في الغالب سوى الفصل الأخير. أما الفصول السابقة فتكتب بهدوء، بعيداً عن الأضواء، وربما في أماكن لا يلتفت إليها أحد، كنت أظن أن الثورة الفرنسية بدأت باحتلال الباستيل، أو أن الثورات العربية كانت نتيجةً للثورة المصرية، قدّم الكتاب الفكرة المعاكسة، وهنا تأتي أهمية الكتاب، وصلتها بعصرنا.
النتيجة هي النهاية وليست البداية، توقفت عند هذه الفكرة لأننا أصبحنا أسرى ما نتابع اليوم وما يجري من أحداث، الخبر، والتعليق، والتحليل، والحكم النهائي. ولم يعد هناك وقت كافٍ للتأمل. في مسار الأحداث، كأن العصر يقول لنا إن سرعة الرأي دليل على جودته، بينما يعلمنا التاريخ، كما في الكتاب، شيئاً مختلفاً. فالأفكار التي تعيش طويلاً ليست هي التي تولد بسرعة، وإنما تلك التي مرت بمراحل من الأخذ والرد، والنقد والمراجعة.
يعيد بيكرمان القارئ إلى المقاهي الأوروبية، والصالونات الأدبية، والرسائل الطويلة المتبادلة بين المفكرين، حيث كانت الأفكار تتشكل ببطء. لم يكن أصحابها يبحثون عن جمهور واسع، ولا عن تصفيق سريع. كانوا يبحثون عن فكرة أكثر تماسكاً. وعندما نضجت تلك الأفكار، وجدت لحظتها التاريخية، فتحولت إلى قوة مؤثرة في المجتمع والسياسة، وغيرت
ارسال الخبر الى: