خديعة الساحات وفخاخ البيانات
59 مشاهدة

4 مايو/ حافظ الشجيفي
يجلس المرء والدهشة تعقد لسانه وهو يرقب مشهدا عبثيا تتماوج فيه ارادة الجماهير بين مطرقة التزييف وسندان الالتفاف، حيث خرجت الجموع الهادرة في ساحة العروض بعدن ليلة الامس، تحمل في حدقات عيونها احلاما واضحة كشمس الظهيرة، وتصدح بحناجرها بمطالب لا تقبل التضليل، فاذا بنا امام مشهد غريب يستعصي على الفهم المنطقي، اذ تم اصدار بيانين للفعالية، احدهما قيل انه مزيف والآخر زعموا انه الحقيقي، بينما الحقيقة المرة تكمن في ان كلاهما قد ضلا الطريق عن نبض الجماهير التي ملأت الساحات.
فما حدث بالامس يمثل سابقة خطيرة في العمل السياسي، اذ كيف يستقيم عقلا ان يتم حشد الناس تحت غايات محددة وشعارات معلنة، ثم تأتي البيانات الختامية لتهدم ما بناه الحماس الشعبي في ساعات، فالمسألة ليست مجرد خطأ في التعبير او سقطة في الصياغة، بل هي عملية التفاف صارخة تجعل من ارادة الشعب جسرا لغايات لا تشبهه، والادهى من ذلك هو تلك اللعبة الهزلية التي استخدمت البيان المزيف كفزاعة لترهيب الناس ودفعهم للقبول بالبيان الحقيقي وكأنه المنقذ،من البيان المزيف رغم انه في جوهره لا يقل خطورة في مخالفته لاهداف المظاهرة ومقاصدها المعلومة.
ويتجلى التناقض الصارخ حين نقرأ في ديباجة البيان الحقيقي تأكيدا على التمسك بالاعلان الدستوري الذي اصدره الرئيس عيدروس الزبيدي، ذلك الذي رسم خارطة طريق واضحة نحو الاستقلال واقر مبدأ الحوار مع قوى الاحتلال اليمني وصولا الى الاستفتاء، ورغم ان فكرة الاستفتاء بحد ذاتها كانت محل جدل قانوني وتاريخي، لكون الجنوب دولة كانت قائمة ومعترفا بها ودخلت الوحدة بقرار سياسي لا باستفتاء شعبي، الا ان الشعب قبل بها كصيغة للحل، لكن الصدمة تأتي في البنود اللاحقة للبيان ذاته، حين ينص احدها على ان اي اتفاق نهائي يتعلق بمستقبل الجنوب يجب ان يخضع للاستفتاء، وهنا يطرح التساؤل الفلسفي والسياسي العميق: كيف نتمسك باعلان دستوري حسم قضية الاستقلال وجعلها سقفا نهائيا، ثم نعود لنرهن مستقبل البلاد باتفاقات مفتوحة الاحتمالات تجعل الاستقلال مجرد خيار من بين مجموعة خيارات..
فهذا
ارسال الخبر الى: