حدود الوصاية

رأت الغالبية من أبناء الجنوب في سيطرة القوات الجنوبية على كامل الجغرافيا حدثاً مفصلياً طال انتظاره، ولم تكن، في جوهرها، خطوة يمكن توصيفها بالخطأ كما جرى تصويرها لاحقاً عقب التدخل السعودي.
ورغم أن مجريات الأحداث كشفت عن ثغرات في إدارة الأزمة وقصور في تقدير ردود الفعل، فإن ذلك لا يكفي لنزع المشروعية عن هذا التمدد أو اختزاله في قراءة أحادية.
وعلى خلاف الخطاب المعلن، لم يكن التعاطي السعودي، قبل القصف، قائماً على منطق التفاهم، بل انحصر عند صفر مساومة، وبصيغة إنذارية: “انسحبوا وسلّموا المواقع، وإلا…”؛ خطاب يفتح حدود الوصاية، ويختزل العلاقة إلى ثنائية الأمر والامتثال.
كما أن المملكة لم تسعَ، بدافع نوايا جادة، إلى احتواء الموقف، بقدر ما أدارت الوقت لاستكمال حشد البيانات الخارجية، وتجميع وتعبئة قوى سلفية وإخوانية وتشكيلات متشددة، وإعادة توزيعها على مسرح العمليات، بالتوازي مع إعداد بنك أهداف. وما إن اكتمل هذا المشهد حتى انفتح القصف على مداه، هستيرياً، لا يكتفي بإشعال الصحراء، بل يغرس في الذاكرة ناراً لا تنطفئ.
أما التطورات الميدانية التي أعقبت القصف، فقد عكست أعلى سقفاً من التصعيد، كاشفةً عن طبيعة أهداف لم تعد تقتصر على احتواء التمدد، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة إنهاء “الرمزية العسكرية الجنوبية” بشكل شامل وكذلك خلق فراغ سياسي ووضع اجتماعي هش.
لقد بدا واضحاً أن المملكة السعودية رسمت حدوداً لما تعتبره “مقبولاً” في جغرافيا الوجود العسكري الجنوبي، وحددت سقف القوة الذي لا يمكن تجاوزه. وحين أظهرت القوات الجنوبية قدرة لافتة على التمدد خلال زمن قياسي، رغم وجود تشكيلات عسكرية كبيرة ومتمرسة في المنطقة الأولى، تضاعف قلق المملكة لتندفع نحو تفكيك القوات الجنوبية المستقلة.
ومن المنظور الجنوبي، تمثل القدرات العسكرية ضمانة لحماية التطلعات السياسية وتعزيز موقع الجنوب في أي تسوية نهائية بوصفه طرفاً مستقلاً، لا ورقة تفاوض تُدار من خارج إرادته. وهو ما لم يكن مقبولاً لدى المملكة، ومعها بعض الأطراف اليمنية.
مرة أخرى، تكشف هذه التطورات عن إشكالية أعمق تتعلق بإدارة الصراع حين تتداخل القضايا الحيوية المحلية مع
ارسال الخبر الى: