هل تتأثر صناعة الأسمدة المصرية بإجراءات تقشف الطاقة
78 مشاهدة
وسط إجراءات تقشفية قاسية في استخدامات الطاقة استثنت الحكومة المصرية أول من أمس مصانع الأسمدة من إجراءات ترشيد استهلاك الغاز بما يسمح لها بالعمل بكامل طاقتها الإنتاجية ويأتي قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي في محاولة لحماية صادرات القطاع التي بلغت 7 723 مليارات دولار عام 2025 ووسط ضغوط متصاعدة جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وارتفاع تكاليف الغاز والنفط والشحن إلى جانب بروز منافسة إقليمية متسارعة لصناعة الأسمدة المصرية تقودها دولة إثيوبيا بدعم صيني ماليا وتكنولوجيا وقال رئيس غرفة الصناعات الكيماوية والأسمدة شريف الجبلي في تصريح لـالعربي الجديد إن مصانع الأسمدة كافة ستعمل بكامل طاقتها رغم الضغوط الهائلة على قطاع الغاز والنفط لضمان استمرار العمل وتوفير احتياجات المزارعين وحصص التوريد المتعاقد عليها للأسواق الأوروبية والأميركية لعام 2026 وأوضح الجبلي أن قرار استثناء مصانع الأسمدة من ترشيد الغاز يعبر عن تحول في إدارة الأزمة من التقشف الشامل إلى التخصيص الانتقائي للطاقة الذي يضع القطاعات التصديرية في صدارة الأولويات بما يمكنها من مواجهة صدمة ارتفاع تكاليف توفير الغاز والتشغيل بسبب الحرب وضغط لوجستي غير مسبوق مع منافسة إقليمية مدعومة بنماذج إنتاج أقل تكلفة وأكد أنه في ظل هذه المتغيرات لم يعد التحدي في الحفاظ على الإنتاج فحسب بل في ضمان حصص داخل سوق يعاد تشكيله تحت ضغط الجغرافيا والطاقة والسياسة تحصين النقد الأجنبي وسط التقشف يأتي قرار الاستثناء لصناعة الأسمدة في وقت تطبق فيه الحكومة إجراءات تقشفية واسعة لترشيد الطاقة تشمل تقليص الإنارة العامة وتقييد النشاط التجاري بغلق المحلات والورش الصناعية في التاسعة مساء بينما اختارت في المقابل تحصين قطاع الأسمدة باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وحسب تصريحات حكومية فإن وزارة البترول تفضل إدارة الأزمة عبر خفض الاستهلاك المحلي للطاقة وتأمين شحنات محدودة من الغاز الطبيعي المسال بدلا من اللجوء إلى الشراء من السوق الفورية مرتفعة التكلفة خاصة مع زيادة قيمة الواردات الشهرية من 650 مليونا إلى 1 65 مليار دولار شهريا وهي مرشحة للارتفاع مع استمرار حالة الحرب الدائرة بمنطقة الخليج وتعهد رئيس الوزراء بعدم انقطاع إمدادات الغاز عن المصانع في إشارة إلى أولوية استمرار الإنتاج الصناعي لافتا إلى أنه رغم تراجع إنتاج الغاز المحلي فإن إنتاج المصانع يحافظ على معدلات التشغيل وشحن الكميات المتفق عليها لشهر إبريل نيسان 2026 ولم تقع اضطرابات في التشغيل بالمصانع حتى الآن وترجع غرفة صناعة البتروكيماويات والأسمدة باتحاد الصناعات المصرية إجراءات الحكومة لتقليل الضغط على الإمدادات إلى رغبتها في مواجهة الضغوط المفاجئة التي واجهتها مع وقف الشركات الإسرائيلية إمداد الغاز للشبكة الوطنية بنحو 1 1 مليار قدم مكعبة يوميا منذ 28 فبراير شباط الماضي وأكدت الغرفة أن الصناعة تواجه ضغوطا حادة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية مشيرين إلى تقرير لمنظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة أونكتاد الذي ظهر مؤخرا ويبين فيه تراجع عبور السفن عبر مضيق هرمز بنسبة 97 وارتفاع أسعار النفط بنسبة 27 وزيادة أسعار الغاز المسال بنسبة 74 مع قفزة في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بنسبة 300 المنافسة الإثيوبية الصينية في موازاة هذه الضغوط يظهر تحد استراتيجي جديد لصناعة الأسمدة في مصر مع إعلان إثيوبيا الأسبوع الماضي عن مشروع ضخم لإنتاج الأسمدة تمتلك الصين 60 من أسهمه جاء المشروع بينما تشهد سوق الأسمدة الأفريقية تحولا هيكليا جذريا مدفوعا بمتغيرات الإنتاج المحلي في شرق القارة والقدرات التصديرية الفائقة في شمالها فبينما تحتفظ مصر بمكانتها كخامس أكبر مصدر لليوريا عالميا يبرز المشروع الإثيوبي الجديد بشراكة صينية كمتغير جيوسياسي قادر على إعادة رسم مسارات التجارة البينية في تكتل الكوميسا ما يضع الهيمنة المصرية أمام اختبار جديد لمكانتها الإنتاجية وموقعها اللوجستي ووفقا لتقرير معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي IFA الذراع البحثية لوزارة الخارجية بأديس أبابا اطلعت عليه العربي الجديد فقد انتقلت إثيوبيا من مرحلة المستورد الصافي الذي يعاني من ضغوط حادة على احتياطيات النقد الأجنبي إلى مرحلة المنتج السيادي بعد توقيع عقد في أغسطس آب 2025 مع مجموعة دانغوت الصينية بقيمة 2 5 مليار دولار لإنشاء مجمع لأسمدة اليوريا في منطقة أوغادين على الحدود الإثيوبية مع إقليم الصومال ويشير تقرير المعهد إلى أن المصنع القريب من حقول الغاز الطبيعي المستكشفة حديثا يستهدف إنتاج 3 ملايين طن متري سنويا من اليوريا وبالمقارنة مع إحصاءات الاستهلاك المحلي التي سجلت استيراد 1 2 مليون طن في 2023 فإن الفائض القابل للتصدير سيصل إلى 1 8 مليون طن سنويا بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويتجاوز إجمالي احتياجات دول الجوار مثل جيبوتي وإريتريا والصومال مجتمعة ويجعل إثيوبيا مركزا إقليميا للطاقة والمستلزمات الزراعية لدول المنطقة المحيطة بها ويوضح التقرير الإثيوبي أن المشروع يعتمد على هيكل ملكية بنسبة 60 لمجموعة دانغوت الصينية و40 لشركة الاستثمار الإثيوبية القابضة EIH صراع الممرات والتكلفة اللوجستية تكمن الفجوة التنافسية بين مصر وإثيوبيا في مفهوم الممر أهم من المصدر إذ تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO إلى أن 66 من احتياجات إثيوبيا الحالية من اليوريا مصدرها مصر ومع تشغيل مصنعها غودي بإقليم أوجادين ستواجه الصادرات المصرية تحديات لوجستية قاسية أبرزها أن نجاح المشروع الإثيوبي يعني فقدان مصر لأكبر سوق أفريقي يستهلك منتجاتها وتحويله من مستورد إلى منافس شرس في ممر وسط أفريقيا بالإضافة إلى ذلك تبعد المصانع الإثيوبية مسافة تتراوح بين 500 إلى 800 كيلومتر عن مراكز الطلب في شرق القارة بينما تقطع الشحنات المصرية أكثر من 4000 كيلومتر عبر البحر الأحمر ثم النقل البري المكلف ويمنح هذا التفاوت إثيوبيا قدرة على تقديم خصومات سعرية تتراوح بين 15 إلى 25 نتيجة خفض رسوم الشحن والتأمين وحسب بيانات أسواق الطاقة لعام 2025 شهدت الأسعار تقلبات حادة أثرت على الميزان التجاري للمنتجين الكبار مثل مصر وإيران إذ ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 54 في النصف الأول من 2025 لتصل إلى متوسط 43 يورو ميغاوات ساعة فيما بلغ متوسط سعر سلة الأسمدة في مايو أيار 2025 حوالى 437 دولارا للطن بزيادة قدرها 118 دولارا عن العام السابق وهذه الأرقام تضع المنتج الإثيوبي المدعوم بغاز محلي وبعقود ثابتة مع جي سي إل الصينية في وضع تفاوضي صلب مقابل المنتج المصري الذي يظل مرتبطا بديناميكيات أسعار الغاز العالمية وتقلبات إنتاج الحقول وتشير التقديرات إلى احتمال تراجع الصادرات المصرية داخل أفريقيا بما يتراوح بين 1 5 و2 مليون طن سنويا مقابل احتفاظها بالأسواق الأعلى قيمة مثل أوروبا والبرازيل الأسمدة الخضراء والمستقبل الاستراتيجي تعول مصر على تطوير صناعة الأسمدة بالتوسع في استخدام الطاقة الخضراء درعا واقيا للصادرات المصرية فمع توجه الاتحاد الأوروبي لفرض آلية تعديل الكربون على الحدود CBAM ستصبح الأسمدة المصرية منخفضة الكربون هي الخيار الوحيد للأسواق الأوروبية المتطورة وفقا لمقاييس الصناعة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا التي استقبلت حصصا مصرية كبرى في 2025 مستفيدة من تطبيق أحدث معايير كفاءة الطاقة وهي ميزة تنافسية لم تدخلها إثيوبيا في مشروعها الذي لا يزال يعتمد على الغاز الطبيعي التقليدي ويرى الأكاديمي المتخصص في اقتصاديات الأسمدة وسلاسل الإمداد الدولية محمد فتحي أن المشهد لا يشير إلى انكسار طرف لحساب الآخر بل نحن بصدد صياغة جديدة للهيمنة الإقليمية ويقول فتحي لـالعربي الجديد عند تحليل المعطيات المتقاطعة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة FAO ومعهد الشؤون الخارجية الإثيوبي IFA والمركز الدولي لتطوير الأسمدة IFDC نجد أننا لسنا أمام سيناريو سحب البساط الكلي بل أمام تقاسم نفوذ ذكي تفرضه الجغرافيا والاقتصاد الأخضر يتوقع فتحي أن تنجح أديس أبابا في الاستحواذ رقميا على سوق شرق أفريقيا ودول الكوميسا وهو ما قد يقلص حصة مصر التصديرية داخل القارة بمقدار يتراوح بين 1 5 إلى 2 مليون طن سنويا على المدى البعيد وبذلك ستتحول إثيوبيا إلى صمام أمان للأمن الغذائي في منطقة القرن الأفريقي مستفيدة من قصر المسافات اللوجستية في المقابل يتفق فتحي مع رأي الجبلي بأن مصر ستظل المهيمن الفعلي على الأسواق عالية القيمة في أوروبا والبرازيل ويعزو ذلك إلى استباقية القاهرة في التحول نحو الأسمدة الخضراء منخفضة الكربون بالتوازي مع التوسع في استصلاح 3 5 ملايين فدان محليا وهي خطوة استراتيجية لامتصاص أي فائض إنتاجي قد ينتج عن خسارة جزء من السوق الأفريقية التقليدية