الفاشر المدينة الزراعية التي قتلتها المليشيات بالسلاح وبالجوع

122 مشاهدة
كانت الفاشر قبل أن تخنقها مليشيات الدعم السريع مدينة تتنفس الزراعة والرعي تمتد حولها حقول الدخن والذرة والسمسم وبساتين التمر والموز والمانغو ويعتمد سكانها على الري الموسمي وحفر الآبار السطحية فيما تتحرك قوافل الإبل والماشية إلى سوق حضري يشتري منه التجار ويبيع فيه المزارعون ما جادت به السواقي كانت المدينة عقدة توزيع للحبوب والفاكهة إلى مدن دارفور ومقصدا لتجارة المواشي ولا سيما الإبل التي تساق من البوادي إلى الحظائر ثم تصدر حية عبر طرق عابرة للحدود نحو مصر وليبيا الفاشر في عزها كانت تستيقظ على رائحة الدقيق الطازج ومأمأة المواشي ونداءات الباعة في سوق يمد من حوله بالغذاء لم تكن المدينة مجرد نقطة على الخريطة بل عقدة توزيع تعبرها الحبوب والليمون والبرتقال أبو صرة والثوم والبصل والماشية من جبل مرة وكتم وطويلة وتتسع فيها الحرف الصغيرة والمطاحن والمطاعم الشعبية إلى درجة وصفتها الموسوعة البريطانية دائرة المعارف البريطانية في قسمها الخاص بالمدن في 24 سبتمبر أيلول 2025 بـمركز قوافل تاريخي ومركز لتسويق الحبوب والفاكهة وربطتها بطرق برية نحو الجنينة وأم كدادة ثم إلى ما وراء الحدود مميزات جعلتها حلقة في سلة غذاء إقليمية لا تتوقف عن الدوران حين تكون الطرق مفتوحة والأسواق آمنة الزمن الجميل في الفاشر على إيقاع هذا النشاط نشأت في الفاشر أسواق كبرى وسلسلة خدمات تغذي الاقتصاد اليومي المطاحن منتشرة تتوسط الدكاكين وحركة نقل تربط السوق الكبير بالأحياء وحظائر ماشية يباع فيها اللحم طازجا أو مشويا وأروقة لمنتجات دارفور الغذائية التقليدية القادمة من سفوح الجبل قبل أن تتعطل الطرق كانت الشاحنات تفرغ حمولتها في سوق يفتحه الناس فجرا وتدور فيه السيولة بسرعة بين مزارع يبيع محاصيله وتاجر يشتري بالجملة وناقل يوزع على الضواحي ذلك المشهد كان خلاصة اقتصاد الناس في الفاشر وصورة نمطية للزمن الجميل للمدينة التي منحتها مكانتها لتكون سوقا محوريا للتصدير وحركة تجارة حضرية منظمة حين تكون طرق القوافل مفتوحة حصار خانق على أرض الفاشر التجارية جاءت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور يوناميد لتضيف رافعة لوجستية وخدمية وسوق عمل محلية حين اتخذت الفاشر قاعدة ومقرا فحسب تقرير موجه للجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر كانون الأول 2022 قسمت القاعدة اللوجستية في الفاشر إلى قطاعات عدة لاستيعاب عمليات واسعة وهو تفصيل إداري يكشف الحجم الحقيقي لاقتصاد الخدمات المرتبط بالبعثة من نقل وتموين وصيانة ومطاعم وعمالة يومية ما سمح بضخ ملايين الدولارات في المدينة خلال سنوات نشاط يوناميد لكن تلك الدورة انكسرت بعد إبادة واسعة وهجمات موثقة نفذتها مليشيات قوات الدعم السريع على المدينة وأطرافها ومعها فرض حصار قطع الطرق التجارية وخنق الأسواق ووصفت مجموعة الأزمات الدولية في أفريقيا منظمة عالمية تعمل على منع النزاعات المميتة وحلها هذا التحول بوضوح بـالكارثي في تقرير مفصل أصدرته في 24 يونيو حزيران 2024 بعنوان وقف المعركة الكارثية في الفاشر السودانية وأكدت فيه أن الحصار أشعل الانهيار الاقتصادي وعطل حركة التجارة ورفع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة خطورة السوق وجنون الأسعار هذه الصور التي خلفتها مليشيات الدعم السريع لا تحتاج إلى استعارات فمع حصار الفاشر صار الدخول إلى السوق نفسه رحلة مخاطرة لا مجرد عادة يومية مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة يوثق في تقرير لقطة الوصول الإنساني أغسطس 2025 الصادر في 9 سبتمبر أيلول 2025 أن الفاشر لا تزال تحت حصار مليشيات الدعم السريع وأن تدفق السلع الأساسية معطل بشكل حاد رغم الاتصالات رفيعة المستوى وهو ما يفسر لماذا ترتفع الكلفة النهائية لأي سلعة بعد إضافة ضريبة الطريق المؤلفة من الخطر والتأخير ومتى تعطلت حركة الحبوب والماشية والزيوت اختلت أسعار النسب داخل سلة المستهلك برنامج الأغذية العالمي في تقرير مراقبة السوق أغسطس 2025 رصد كل هذا وأشار إلى انفجار في الأسعار على نحو جعل الفاشر وكادوقلي تقودان موجة الغلاء على مستوى البلاد ونقل التقرير أنه في الفاشر مقارنة بيوليو تموز 2024 ارتفعت الأسعار بنسبة 164 وأشار إلى ارتفاع سعر دقيق القمح إلى 6 524 جنيهات سودانية للكيلوغرام الواحد بزيادة قدرها 38 على أساس شهري و135 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي وقفز سعر الذرة الرفيعة إلى 2 324 جنيه سوداني للكيلوغرام بزيادة قدرها 42 عن الشهر السابق و88 مقارنة في يوليو تموز 2024 ووصلت سلة الغذاء المحلية إلى 3 365 جنيهات سوداني للوحدة بزيادة قدرها 26 عن يونيو حزيران 2025 وأعلى بنسبة 108 عن العام الماضي ووثق التقرير ارتفاع متوسط السعر الوطني للفول السوداني إلى 105 058 جنيهات سودانية للقنطار مسجلا زيادة بنسبة 36 عن الشهر السابق وارتفاعا بنسبة 98 مقارنة بشهر يوليو تموز 2024 فيما ارتفعت أسعار الوقود التجاري بـ6 بالنسبة إلى البنزين و12 للديزل وبقياس القدرة الشرائية لم ترتفع أجور العمل اليومي إلا بنسب بسيطة بينما انخفضت قيمة الجنيه السوداني في السوق الموازية إلى نحو 3700 جنيه حاليا أي إن دخل اليوم الواحد أصبح يشتري أقل بكثير من ضروريات أمس هكذا تكون الندرة قد التهمت الأجر وابتلعت معها طمأنينة الأسر ليكون الشكل النهائي على طاولة الأسرة بروتينا أبعد وزيوتا أقل ونقلا أغلى وعجزا يتسع ويعزى هذا الارتفاع الحاد إلى استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية وانقطاعات واسعة النطاق في سلسلة التوريد في عدة ولايات وارتفاع تكاليف الإنتاج ومحدودية العرض من مناطق الزراعة الرئيسية النزوح بسبب الجوع لأن اقتصاد الفاشر أساسا اقتصاد ناس قائم على الدخل اليومي والدوران السريع للنقد فقد ظهر الجرح سريعا في أرصدة الجيوب تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية صدر في 12 نوفمبر تشرين الثاني 2024 واستند إلى مسح الأسر الحضرية أشار إلى أن 31 من الأسر الحضرية في السودان نزحت وللفاشر نسبة منها وأن العائق الأول للشراء هو الغلاء حتى عندما يكون الوصول إلى السوق ممكنا الفاشر في هذه المعادلة تتجسد حالة نموذجية دخلا يوميا يتقهقر وسلة تشتد كلفتها وسوقا لا يؤمن الاستقرار أما من زاوية الأمن الغذائي فقد تحول الحصار إلى ماكينة تجويع معلنة ففي الأول من أغسطس آب 2024 أكدت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة مزود رائد للمعلومات والتحليلات حول الأمن الغذائي بلوغ المجاعة المستوى الخامس في جزء من الفاشر وبالضبط في مخيم زمزم قبل أن تعود في 5 سبتمبر أيلول 2024 لتؤكد استمرارها وخطر اتساعها مع تعذر الإمداد وبعد أشهر أصدرت شراكة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أداة لتطوير طرق تحليل الأمن الغذائي واتخاذ القرار تقرير لجنة مراجعة المجاعة في ديسمبر كانون الأول 2024 الذي توقع استمرار المجاعة وتمددها إلى الفاشر نفسها خلال ديسمبر كانون الأول 2024 إلى مايو أيار 2025 ما لم تفتح المسارات وتستأنف الإغاثة بينما أشارت منظمة أطباء بلا حدود في تقرير مطول صدر في 3 يوليو تموز 2025 بناء على عملها في الميدان إلى الحاجة لما لا يقل عن 150 ألف طن من الغذاء شهريا لتسعة ملايين شخص في حالة طوارئ أو مجاعة في السودان ومع إعلان مليشيات الدعم السريع سيطرتها على الفاشر يوم الاثنين الماضي وتصفيتها لآلاف المواطنين وفقا لما أوردته كيانات طبية وعسكرية في السودان تحول الحصار الاقتصادي مباشرة إلى عرض محطم يجر طلبا عاجزا إلى هاوية الطوارئ ثم نحو المجاعة الصورة لا تحتاج لتجميل مليشيات تغلق الطريق والسلعة لا تصل والسعر ينفلت والقدرة الشرائية تهوى وبالتالي يصبح العمل والإنتاج والتجارة رفاهية بعيدة فلا يمكن للاقتصاد أن يتنفس والسوق محروقة ومستودعات القمح والذرة تحت القصف تدمير الاقتصاد بهذه النمطية يمكن رسم خط قاطع بين الفاشر التي كانت مركزا حضريا يبيع ويشتري ويطحن ويطعم والفاشر التي أصبحت مدينة تدير اقتصاد الأزمات حيث تسبق تكلفة الوصول أي قيمة استعمال وحيث يقاس اليوم بسؤال واحد من أين نأتي بسعر سلة غذاء باتت قفزاتها الشهرية تفوق نمو الأجر بعدة أضعاف فمليشيات الدعم السريع عطلت رأس المال البشري وكسرت سلاسل الإمداد وعرت النقد من قدرته على الشراء فانهار الطلب الحقيقي وفسدت إشارات الأسعار حتى صار الحطب في بعض الأحياء أغلى من يومية عمل كاملة وفي كل مرة تحاول فيها شاحنات برنامج الأغذية العالمي اختراق الطريق تأتي أنباء عن استهداف قوافل الإغاثة أو تعطيلها لتبقى الفاشر مثالا على مدينة قتلت مرتين مرة بالسلاح ومرة بحرمانها الخبز الخبز المفقود إذا قلبنا في كتب الاقتصاد يتبين أن المدن لا تموت فجأة بل حين يسحب من تحتها خيط السوق الذي كان يشد أطرافها كل صباح إلى دكان مفتوح ومطحنة دؤوبة هكذا كان اقتصاد الفاشر يقوم على الدخل اليومي فلاح يبيع جزءا من محصوله عامل يحمل البضائع في السوق تاجر صغير يعيد تدوير أرباحه كل مساء تلك الدورة توقفت تماما وتلك المدينة الصغيرة التي كانت تعيش على إيقاع السوق والزرع والتجارة اليومية مع شروق الشمس لم تعد أسواقها تفتح أبوابها في قلبها لتسمع صوت الباعة وتشم رائحة الفول السوداني وتأكل الذرة ظهرا لم تعد الفاشر مركزا اقتصاديا نابضا ولم يعد المزارعون يجلبون محاصيلهم إلى سوقها لقد توقفوا عن الزراعة خوفا من قصف أو نهب مليشيات الدعم السريع والتجار هربوا أو فقدوا مخازنهم فيما باتت أغلبية الأسر تعيش على الإغاثة إن وصلت وحتى المواشي التي كانت مخزن القيمة في اقتصاد المدينة نفقت أو نهبت ولم يعد يسمع لها صوت اختنقت المدينة بحصار مليشيات الدعم السريع وارتفعت الأسعار وتلاشت الأجور ثم اتسعت المجاعة وبين الماضي والحاضر يبقى الطريق مغلقا يساوي خبزا مفقودا والخبز المفقود يساوي اقتصادا مبادا

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح