عن العلاقة بين العدالة والوحدة
تُستدعى العدالة الانتقالية عادة في اللحظات التي تفقد فيها المجتمعات قدرتها على الاستمرار بالآليات القديمة لتنظيم العنف والسلطة، وتجد نفسها مُضطرة إلى التفكير في كيفية العبور من ماضٍ مُثقل بالانتهاكات إلى مستقبل يُفترض أنّه أقلّ قسوة وأكثر قابلية للحياة. هي ليست مفهوماً قانونياً محضاً، ولا إجراءً تقنياً يمكن فصله عن سياقه السياسي والاجتماعي، بل مقاربة شاملة لسؤال السلطة، والمسؤولية، والذاكرة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الكارثة. العدالة الانتقالية، بهذا المعنى، ليست إدارة للماضي فقط، بل محاولة لإعادة تأسيس الحاضر على أسس مختلفة.
في جوهرها، تقوم العدالة الانتقالية على الاعتراف بأنّ العنف الذي مورس لم يكن انحرافاً عارضاً، بل نتاج بنى سياسية وأمنية وقانونية سمحت به أو شجّعته. لذلك، فهي لا تكتفي بمساءلة أفراد، بل تسعى إلى تفكيك الشروط التي جعلت الانتهاكات مُمكنة ومُتكرّرة. كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار، ليست عناصر مُنفصلة، بل حلقات في مسار واحد، يهدف إلى نقل المجتمع من منطق القوّة والغلبة إلى منطق الحقوق والمواطنة.
غير أنّ العدالة الانتقالية لا تعمل في فراغ. فهي تفترض وجود حدّ أدنى من الإرادة السياسية، واعترافاً رسمياً بأنّ ما جرى كان ظلماً يستوجب المعالجة، لا مجرّد صفحة مؤلمة يُراد طيّها. كما تفترض استعداداً اجتماعياً لمواجهة الماضي، لا للهروب منه. في كثير من التجارب، كان الفشل في العدالة الانتقالية ناتجاً ليس عن نقص القوانين أو الخبرات، بل عن استخدام خطاب الاستقرار والمصالحة لتفريغ العدالة من مضمونها، وتحويلها إلى أداة لإدارة الصمت بدل كسرِه.
ليست العدالة الانتقالية إدارة للماضي فقط، بل محاولة لإعادة تأسيس الحاضر على أسس مختلفة
من هنا، تبرز العدالة الانتقالية كسؤال عن نوع السلام المُراد بناؤه. السلام الذي يقوم على النسيان القسري، أو على تسويات فوقية تتجاهل الضحايا، غالباً ما يكون سلاماً مؤجّلاً، يحمل في داخله بذور عنف جديد. أما السلام الذي يمرّ عبر الاعتراف والمساءلة، حتى وإن كان مساراً طويلاً ومؤلماً، فيمتلك فرصة حقيقية للاستمرار. العدالة الانتقالية لا تعد بمجتمع خالٍ من الصراع، لكنها
ارسال الخبر الى: