الضربة المؤجلة إيران المجتمع والزمن المقطوع
لا يمكن فهم التهديد الأميركي المحتمل بضرب إيران أنه مجرّد خيار ضمن سلة أدوات تقليدية، إذ ليس التهديد بحدّ ذاته شيئاً جديداً هنا. الجديد طريقة عرض القرار أمام العالم. ففي لحظات التهديد الكبرى لا تُقرأ التصريحات السياسية بوصفها سلسلة خيارات بقدر ما هي نظام تمثيل رمزي يختلط فيه العسكري بالإعلامي. وفي هذا السياق، يبدو نموذج ترامب أقرب إلى ممارسة سياسية تتعامل مع القوة باعتبارها وحدها لغة إدارة العالم. التاريخ القريب يعلّمنا أن هذا النمط ليس جديداً بالكامل، فالحروب الحديثة لطالما امتلكت بُعداً استعراضياً، غير أن ما يختلف اليوم أن الاستعراض لم يعد مكمّلاً للحرب بقدر ما صار إطاراً يؤسّس مشروعيتها ويقترح معانيها.
لا يمكن الانتقال من تحليل التهديد الأميركي إلى تفكيك الحالة الإيرانية من دون تفادي الاختزال المريح الذي يحوّل إيران إلى ضحية دائمة لدعمها المقاومة أو إلى شرّ مطلق لجرائمها ومؤامراتها على جيرانها. فإيران، بوصفها دولةً، ليست كياناً منغلقاً على حدوده بقدر ما هي فاعلٌ بنى نفوذه منذ عقود على استراتيجية مزدوجة: تثبيت الداخل بأيديولوجيا تُشهر العداء للغرب، ونشر اللااستقرار في المحيط. وقد تشكّلت هذه الاستراتيجية تاريخيّاً بعد الحرب العراقية – الإيرانية، وبعد تحوّل تصدير الثورة من شعار إلى شبكة مصالح والاستعاضة عن الحرب المباشرة بحروب بالوكالة. بهذا المعنى، لعبت إيران دوراً مركزياً في تفكيك المجال السياسي في أكثر من بلد عربي، لأنها أتقنت استخدام الفراغات: فراغ الدولة، وفراغ الشرعية. وحيثما انهارت الدولة الوطنية أو تصدّعت، وجدت طهران فرصةً لزرع نفوذها تحت عناوين مثل محور المقاومة أو التوازن الطائفي، وكانت النتيجة مشهداً إقليمياً هشّاً تتآكل فيه السيادة لحساب قوى ما دون الدولة.
غير أن هذا الوجه الخارجي للنظام يخفي، في الوقت نفسه، أزمةً داخليةً بنيويةً لا تقلّ عمقاً. فمنذ عام 2009 لم تعد إيران تلك الدولة المتماسكة التي تُدار من أعلى بلا ارتدادات. فالحركة الخضراء كانت أول شرخٍ علني بين النظام وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى. ومنذ ذلك التاريخ تتالت موجات الاحتجاج، كل مرّة بلغة مختلفة؛ إذ كان النظام
ارسال الخبر الى: