في زمن الحروب لا تتغير خرائط الجغرافيا فقط بل تتبدل أيضا قواعد العمل الصحافي في غرفة الأخبار والميدان إذ يصبح نقل الخبر مهمة يومية محفوفة بالضغط النفسي والاختبار المهني تتداخل السرعة مع الدقة وتتقدم السلامة على السبق في مشهد معقد يفرض على الصحافي إعادة تعريف دوره باستمرار في هذا السياق تسلط العربي الجديد الضوء في لقائها مع مذيع الأخبار في التلفزيون العربي أحمد خير الدين والصحافي الأول في غرفة الأخبار في التلفزيون العربي علي رباح ومدير الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان زياد حرفوش على كواليس العمل بين الشاشة والميدان وكيف تدار المعادلة الصعبة بين نقل الحقيقة وحماية الإنسان في مهنة تختبر يوميا بين المهنية والمشاعر وبين الواجب الإخباري والكلفة الإنسانية يتحدث الصحافي علي رباح عن تجربة مختلفة انتقل إليها بعد نحو عشر سنوات أمضاها مراسلا ميدانيا مؤكدا أن عمله الحالي يمنحه زاوية رؤية أوسع لكنه لا يخفف من وطأة الضغط ولا من ثقل التجربة الإنسانية يوضح رباح أن انتقاله إلى غرفة الأخبار قبل نحو أكثر من عام جعله يرى الشاشة بطريقة تختلف عن زملائه قائلا أنا آت من عشر سنوات من العمل مراسلا ميدانيا يضيف أن هذه الخلفية تتيح له التفاعل مع المراسل على الأرض ومع الحدث بطريقة مختلفة وخلال مسيرته غطى رباح عددا من أبرز الأحداث من حرب أوكرانيا إلى انتقال السلطة في أفغانستان وصولا إلى الحرب الأخيرة في لبنان عام 2024 إضافة إلى انفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي والانتفاضة الشعبية وهي تجارب يقول إنها لا تزال حاضرة في طريقة تعاطيه مع الأخبار رغم ذلك يؤكد أن لغرفة الأخبار ميزة أساسية مقارنة بالميدان تتمثل في القدرة على رؤية الصورة الكاملة قائلا من يعمل في غرفة الأخبار يستطع رؤية المشهد من زاوية أوسع والربط بين ما يحدث في أكثر من مكان مضيفا أن هذه النظرة الشاملة تتيح فهما أوسع للسياق مقارنة بالمراسل الميداني الذي يركز على منطقة محددة يرى علي رباح أن الضغط في غرفة الأخبار اليوم يرتبط أساسا بكثافة الأحداث وتسارعها حتى لو كان العنوان العام واحدا موضحا جزء من الضغط الذي نعيشه هو كثرة الأحداث إذ توجد أكثر من ساحة في الوقت نفسه فالتطورات بحسب وصفه تمتد من لبنان إلى إيران والعراق والخليج مع جبهات قد تظهر فجأة ما يفرض جهدا مضاعفا في المتابعة هذا التكامل يلتقي مع تجربة أحمد خير الدين الذي يرى أن خلفيته الميدانية تتيح له التفاعل مع الحدث والمراسلين بطريقة أعمق وأدق يقول العمل مراسلا يذكرني دائما بضرورة متابعة ما يقوله الزميل وصياغة أسئلة تراعي حاجتنا إلى المعلومة من دون تعريضه لأي ضغط إضافي بدوره يتحدث زياد حرفوش عن إدارة العمل الصحافي خلال الحرب مشددا على أن الأولوية المطلقة تبقى لسلامة المراسلين يشير إلى أن الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان تعتمد نظاما ثابتا يقوم على توزيع المراسلين جغرافيا وفق مناطق إقامتهم ومعرفتهم بها باعتبار ذلك عنصرا أساسيا في التغطية الآمنة يضيف أن الكلمة الأخيرة في اللحظات الحرجة تبقى للمراسل قائلا قرار البقاء أو الانسحاب يترك لتقدير المراسل عند اشتداد الخطر لأنه الأعلم بحقيقة الوضع الميداني مع التأكيد أن على المراسل ألا يغامر بسلامته تحت أي ظرف كما حسمت الوكالة مسألة المفاضلة بين السبق وسلامة الفريق التعليمات الدائمة هي تقديم سلامة الفريق على أي سبق صحافي لأن الحياة لا تعوض أما الخبر فسنحصل عليه المراسل يزودنا بالخبر وليس المطلوب أن يصبح هو الخبر سلامة المراسل في الميدان تتقدم دائما على السبق الصحافي يوضح أن الوكالة عملت على تأمين الحد الأدنى من معدات الحماية مثل الخوذ والسترات الواقية وأن التطور التكنولوجي ساعد في إيجاد بدائل لوجستية تضمن استمرارية العمل في حال انقطاع الاتصال أو التشويش هنا يشرح علي رباح طبيعة هذا الضغط بالقول إن العمل يقوم على إعداد مواد بصرية وتحليلية لكنها كثيرا ما تقاطع بسبب الأحداث العاجلة مضيفا قد يأتي حدث جديد فجأة وهنا يبدأ الضغط الناتج عن تسارع الأحداث إذ يضطر الصحافي إلى ترك ما يعمل عليه والانتقال فورا إلى تغطية جديدة هذا الإيقاع السريع يحول غرفة الأخبار إلى مساحة اختبار دائم للقدرة على المتابعة الفورية وربط التطورات خصوصا في ظل تعدد الساحات وتشابكها ويرى أحمد خير الدين أن التغطية المباشرة للحروب تصبح اختبارا يوميا للتماسك المهني والإنساني في ظل نقل أخبار القصف والموت لحظة بلحظة ويؤكد أن الحفاظ على الهدوء أمام الكاميرا يبدأ من استحضار المسؤولية قائلا أذكر نفسي بدوري وواجبي تجاه الناس الذين ينتظرون ما نقدمه بأفضل صورة ممكنة يشير إلى أن التعامل مع التغييرات المفاجئة في النصوص أو فقدانها هو جزء أساسي من العمل موضحا في كثير من الحالات لا تكون النصوص متاحة وهنا يكون الأهم هو القدرة على شرح السياق وإطلاع المشاهد على آخر التطورات على المستوى الشخصي يكشف علي رباح عن لحظات صعبة تتقاطع فيها التغطية مع حياته الخاصة مستعيدا حادثة تلقيه خبرا عاجلا عن استهداف سيارة قرب سكن عائلته في زحلة شرقي لبنان يشير إلى أن التحدي الأكبر بالنسبة إليه كان الاستمرار على الهواء بطريقة لا يشعر فيها المشاهد بأن شيئا قد حدث معي هذا التداخل يتعزز أيضا بفعل ذاكرته الميدانية يوضح أستطيع أن أعيش الخبر العاجل كأنني ما زلت في الميدان فكل خبر عن قرى أو مناطق سبق أن غطاها يعيد إليه التفاصيل والصور ما يمنحه سرعة في الفهم لكنه يحمله أيضا عبئا نفسيا إضافيا يؤكد خير الدين أن الموازنة بين المهنية والمشاعر هي محاولة مستمرة مع إمكانية التعبير عن المشاعر خارج إطار الشاشة مع التذكير الدائم بأن هذه المساحة مخصصة للجمهور يصف زياد حرفوش الحالة العامة للصحافيين في لبنان بأنها استنزاف مستمر موضحا أن لبنان يعيش حالة استنزاف دائمة وإن كانت متقطعة نتيجة الأزمات والحروب ويشير إلى أن التوتر أصبح جزءا من يوميات العمل يتقاطع ذلك مع ما يقوله رباح الذي يوضح أن مشكلته ليست في طول ساعات العمل بل في غياب القدرة على الفصل إذ يستمر في المتابعة منذ لحظة الاستيقاظ وحتى النوم يشير رباح إلى أن نظرته إلى المهنة تغيرت مع التوحش على وسائل التواصل الاجتماعي منتقدا سعي بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي خلف نسب المشاهدة على حساب دم الناس في المقابل يرى أحمد خير الدين أن أهمية المهنة ازدادت مع تصاعد الحاجة إلى المعلومات وفي ظل ما يمكن وصفه بالحرب على الرواية والإدراك مؤكدا أنه لم يفكر يوما في تركها لأنها كانت حلم طفولته يشير إلى أن الإحساس بالمسؤولية وثقة الجمهور هما ما يدفعانه للاستمرار مشددا على أنه رغم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي يبقى الناس بحاجة إلى من ينقل لهم الأخبار بدقة ومهنية ويشرح لهم السياقات ويسأل نيابة عنهم