التفسخ التركيم والطوفان

23 مشاهدة

(١)

حين يتحوّل الوطن من إطار للعيش المشترك إلى منظومة لإدارة الأجساد، لا يعود الانتماء مسألة شعور أو هُويّة، بل وظيفة. ما يُدار هنا ليس فقط السلوك، بل إمكان الحياة ذاتها: من يَظهر، من يَصمت، من يُحتمل وجوده، ومن يُترك في منطقة الالتباس إلى الأبد (أبد السلطة أو أبد المقصود).

في هذا الأفق، لا يكون الوطن وعدًا بالحماية، بل شبكة تنظيم، لا يُمارس سلطانه فقط عبر القوانين والعقوبات، بل عبر إنتاج معايير دقيقة لما يُعتبر حياة طبيعية، وما يُصنَّف بوصفه خروجًا عن النسق. هكذا يُعاد تعريف السياسة، لا باعتبارها مجال الفعل المشترك، بل باعتبارها تقنية فرز/إقصاء مستمر.

لم تعد السلطة الحديثة في حاجة إلى إعلان العداء الصريح لمواطنيها (وإن كان بعضها مجرمًا كفاية ليفعل في خطاب مزدوج/متناقض) يكفي أن تُعيد ترتيب علاقتها بهم، بدل أن تحكم عبر القرار السيادي العنيف، تحكم عبر تنظيم التفاصيل: الإيقاع اليومي، سقف الكلام، حدود الطموح، وأنماط النجاة المقبولة، ثم يمكنها اللجوء للعنف المسلّح دائمًا باسم حماية الوطن (المُهدّد دائمًا).

يُعاد تعريف السياسة، لا باعتبارها مجال الفعل المشترك، بل باعتبارها تقنية فرز/إقصاء مستمر

بهذا المعنى، لا تُمارَس السلطة أساسًا عبر المنع، بل عبر السماح المشروط. يُسمح لك أن تعيش، لكن بطريقة مُحدّدة (كأداة تأييد، جباية مثلًا)، يُسمح لك أن تتكلّم، لكن ضمن نبرة مقبولة (سيكتب لك كلمتك في مؤتمر المعارضة الضابط ذاته الذي كان يعذّبك في التحقيق)، يُسمح لك أن تنجو، لكن من دون أن يتحوّل ذلك إلى سابقة قابلة للتعميم (كعبرة لا كقدوة) الحياة لا تُنفى، لكنها تُدار (إدارة نافية في النهاية).

(٢)

حين تُدار الحياة، يصبح الجسد هو الساحة الأولى للسياسة، لا الجسد البيولوجي فقط، بل الجسد بوصفه حاملًا للزمن، والطاقة، والقدرة على الاحتمال، يُقاس الانتماء بمدى قابلية هذا الجسد للاستنزاف: كم يمكنه أن ينتظر، أن يتأقلم، أن يؤجّل احتياجاته ويقمعها، ثم كيف يدير السجين ذاته، بوصفه هو السجّان وكيلًا عن سجانه الأصيل.

في هذا السياق، لا يكون العنف دائمًا لحظة استثنائية، بل حالة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح