علي الآنسي صوت التجديد اليمني من العزلة
ارتبطت الأغنية الصنعانية بالإنسان والمكان اليمني لقرون، مكرّرة ألحانها وقصائدها الحمينية لتعكس سحر صنعاء العتيقة. ومع انفتاح اليمن منتصف القرن العشرين، واجه هذا الفن تحدي التجديد والانفتاح مع الحفاظ على هويته وأصالته. وفي هذا السياق، حدد الناقد جابر علي أحمد ثلاثة مسارات لتطور الغناء اليمني: الأول انطلق من الأغاني الشعبية وحياة العمال اليومية، والثاني اعتمد على الغناء التقليدي الصارم بقواعده المشيخيّة والحمينية، أما الثالث فتمثل في التأثيرات الشرقية الوافدة عبر الإذاعات والتسجيلات.
وداخل هذا المشهد الموزّع بين الشعبي والتقليدي والشرقي، برزت أسماء قليلة استطاعت أن تصوغ طريقاً خاصاً بها، متكئة على تقاليد الغناء الأصيل بعمره الطويل، ولكن بلغة جديدة وصوت مختلف. وكان الفنان علي الآنسي (1933 - 1981) الذي مرت في 17 إبريل/نيسان الماضي ذكرى 45 سنة على رحيله، من أبرز هذه الأسماء وأوعاها بعملية التجديد، بالطبع إلى جانب فنانين مهمين أمثال محمد مرشد ناجي المرشدي ومحمد سعد عبد الله.
ومع غياب التيار التقليدي، الذي يمثّل المنبع، واختفاء مشايخ الغناء تدريجياً، بدا المشهد الغنائي في اليمن مشوشاً في الخلط بين التقليدي والشعبي. هذا الخلط الذي يتلخّص أساساً في عدم إدراك الفانين أنفسهم في الغالب الفرق بين الأسلوب التقليدي والعفوية الشعبية.
ولكن هذا ما لم يحدث عند الآنسي، فقد كان يدرك من خلال أعماله هذا الخط الفاصل، وقدّم تجربته بمعرفة عميقة بالأسلوب التقليدي، حتى أنه قدّم بعض التجارب مثل يا شاري البرق من تهامة، كانت ملتزمة بكل صرامة بالبنية اللحنية النظمية الحمينية. وهذا من تأثّر مباشر في نشأته الفنية بفناني صنعاء التقليديين (الأصوليين) أمثال قاسم الأخفش، وأحمد الحمامي، وعبد الرحمن بن علي رضا، أو من تسجيلات المشايخ الآتية من عدن، أمثال الماس والجرّاش وصالح العنتري.
لم تتوقف الجذور التأسيسية عند هذا الحدّ فحسب، بل امتدت إلى أعمق من هذا الأصل، إلى الموسيقى التركية النحاسية، التي نراها عند الآنسي في ولوعه بالإيقاعات العسكرية وتطويعها في الأغاني العاطفية الرقيقة، ولا سيما في نماذج عمل عليها في مراحل مختلفة، مثل ما لأجفاني، التي أضاف
ارسال الخبر الى: