إيران والطاقة في معادلة الصراع الأميركي الصيني

56 مشاهدة
رغم نجاح الصين في بناء قوة صناعية وتكنولوجية غير مسبوقة إلا أن صعودها يظل مشروطا باستمرار تدفقات الطاقة من الخارج فالصين ليست قوة مكتفية ذاتيا في مجال النفط والغاز بل تعتمد على شبكة واسعة من الموردين يقع عدد منهم ضمن دائرة النفوذ أو الضغط الأميركي وعلى رأسهم إيران خاصة بعد أن تراجعت قدرة بكين على الوصول إلى الطاقة الفنزويلية بعد اختطاف الولايات المتحدة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وعزل البلاد ونظامها عن العالم هذا التطور لم يكن مجرد ملف إقليمي بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تعتمد عليها الصين في تأمين احتياجاتها الطاقوية وبعد فنزويلا تبدو إيران الحلقة التالية في هذا المسار ولا يمكن قراءة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران اليوم بمعزل عن سياق التنافس البنيوي بين واشنطن وبكين فهذه المواجهة لم تكن مجرد عملية عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني أو تقويض نفوذ طهران الإقليمي بل حملت في جوهرها رسالة استراتيجية أوسع إعادة ضبط ميزان الطاقة في لحظة انتقال دولي حساسة فإيران ليست مجرد دولة إقليمية بل حلقة مركزية في شبكة طرق الطاقة التي تحتاجها الصين سواء عبر مضيق هرمز أو عبر مشاريع الربط القاري ضمن مبادرة الحزام والطريق وتكتسب طهران وظيفة جيواقتصادية تتجاوز دورها التقليدي بصفتها شريكا قادرا على الالتفاف على النظام المالي الغربي وعنصر توازن في مواجهة الاحتكار الأميركي لأسواق الطاقة كل اضطراب في الخليج لا يضرب دول المنطقة وحدها بل يضغط على الصين وأوروبا معا ويمنح واشنطن ورقة تفاوض إضافية وفي ضوء الزيارة المرتقبة لدونالد ترامب إلى الصين في إبريل نيسان القادم في حال تمت يصبح توقيت التصعيد ضد إيران ذا دلالة استراتيجية فالولايات المتحدة تسعى على الأرجح إلى تحقيق أحد ثلاثة أهداف قبل الدخول في مفاوضات كبرى مع بكين تقليص قدرة إيران على تصدير النفط رفع كلفة اعتماد الصين على مصادر طاقة خارج النفوذ الأميركي إدخال بكين إلى طاولة التفاوض وهي في موقع أكثر هشاشة من حيث أمن الطاقة في حال تحقق ذلك فإن الصين ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد نظام دولي لا تزال فيه واشنطن قادرة على التحكم غير المباشر في شرايين نموها الاقتصادي كما أن استهداف إيران في هذا التوقيت يكشف بعدا يتجاوز الحسابات الإسرائيلية الأمنية إلى منطق أميركي أعمق يقوم على منع تشكل كتلة أوراسية متماسكة تضم الصين وروسيا وإيران في منظومة تبادل مالي وتجاري خارج الهيمنة الغربية فطهران كانت تمثل جسرا بين بكين وموسكو في مجال الطاقة والمال ونقطة ارتكاز لأي توسع فعلي لاستخدام اليوان في تسويات النفط ومن هنا فإن الحرب تختبر في جانب مهم قدرة الصين على حماية شركائها الاستراتيجيين خارج محيطها المباشر لقد وجدت بكين نفسها اليوم أمام معضلة دقيقة فهي لا تستطيع الانخراط عسكريا في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع السماح بانهيار شريك يشكل ركيزة في أمنها الطاقوي nbsp الأخطر من ذلك أن الحرب الجارية أعادت عسكرة مسارات الطاقة في الخليج ورفعت كلفة التأمين والتدفقات البحرية ما انعكس مباشرة على الأسواق العالمية وهنا يظهر الترابط البنيوي بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية فكل اضطراب في الخليج لا يضرب دول المنطقة وحدها بل يضغط على الصين وأوروبا معا ويمنح واشنطن ورقة تفاوض إضافية إذا نجحت واشنطن في تقييد خيارات الطاقة الصينية فإن ذلك سيعيد إنتاج شكل جديد من الاعتماد حتى داخل نظام عالمي يتجه نحو التعددية بهذا المعنى لم تعد الحرب ضد إيران شأنا إقليميا فقط بل أصبحت جزءا من أدوات إعادة هندسة التوازن العالمي ولن تؤدي الحرب فقط إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن في الخليج والمنطقة العربية بل إلى رفع أسعار الطاقة عالميا وتقلص قدرة الصين على تأمين إمدادات مستقرة وتعزيز موقع الولايات المتحدة في أية مفاوضات اقتصادية كبرى وبذلك تتحول طهران إلى ورقة ضغط جيواستراتيجية في صراع لا يدور على أرضها فقط بل على مستقبل النظام الدولي نفسه ورغم أن زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين قد تطرح رسميا ضمن إطار النزاعات التجارية مستقبل الرسوم الجمركية التوازن المالي إلا أن جوهرها الحقيقي قد يتمحور حول سؤال واحد هل تستطيع الصين الحفاظ على استقلال قرارها الاقتصادي من دون استقلال الطاقة فإذا نجحت واشنطن في تقييد خيارات الطاقة الصينية فإن ذلك سيعيد إنتاج شكل جديد من الاعتماد حتى داخل نظام عالمي يتجه نحو التعددية ونعتقد أن التفاوض على النظام الدولي يبدأ من مضيق هرمز فموقع إيران في المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بملفها النووي أو بعلاقاتها الإقليمية بل قد يصبح عاملا مؤثرا في شروط التفاوض الأميركي الصيني ومستقبل التوازن النقدي العالمي وطبيعة الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب وفي لحظة تاريخية كهذه قد لا ترسم ملامح النظام الدولي القادم في المؤتمرات أو الاتفاقيات بل في مسارات النفط والتصعيدات العسكرية وعليه فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هل يجري عبر إيران تحديد موقع الصين في النظام العالمي القادم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح