من يعبث بميزان العدالة يفتح باب سقوط الدولة

يمنات
أسامة الأصبحي
تخيّل أن يدخل مواطن قاعة المحكمة وهو يحمل مظلمته، ويخرج منها وهو يحمل شيئاً أخطر من خسارة القضية: فقدان الثقة في العدالة.
هنا لا تكون الكارثة في حكم أخطأ، بل في شعور يتسلل إلى المجتمع بأن القانون ليس واحداً للجميع، وأن بعض الأبواب تُفتح بالنفوذ، وبعض الأحكام تُصاغ تحت الضغط، وأن ميزان العدالة قد لا يبقى مستقيماً أمام أصحاب القوة.
وهنا تبدأ الحكاية الأخطر، سقوط الدولة من الداخل.
القضاء ليس مجرد مبنى، والقاضي ليس مجرد موظف، والحكم ليس مجرد ورقة تُضاف إلى ملف، القضاء هو المكان الذي يفترض أن يقف فيه الضعيف أمام القوي دون خوف، والفقير أمام صاحب النفوذ دون انكسار، والمواطن أمام الدولة نفسها وهو مطمئن إلى أن القانون سيحميه.
ولهذا كان استقلال القضاء جوهر الدولة، لا مجرد مادة دستورية.
وقد حسم الدستور اليمني الأمر في المادة (147) حين قرر أن القضاة مستقلون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون. ومعنى ذلك واضح: لا قبيلة، لا حزب، لا سلطة، لا مال، ولا علاقة شخصية يمكن أن تكون أعلى من القانون.
والتشريعات اليمنية لم تكتفِ بإعلان هذا المبدأ، بل وضعت وسائل قانونية لحماية حياد القاضي، من رد القاضي وطرق الطعن، إلى التفتيش والمساءلة التأديبية.
لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو:
ماذا يحدث عندما تكون النصوص قوية، ويكون الواقع أضعف منها؟
عندما يشعر المتقاضي أن هناك من يستطيع التأثير في مسار العدالة، فإن أول ما يسقط ليس الحكم، وإنما الثقة.
وبعد الثقة يأتي كل شيء.
يترك الناس المحكمة، ويلجؤون إلى الوساطة.
يتركون القانون، ويلجؤون إلى النفوذ.
يتراجع الاحتكام إلى الدولة، وتعود العصبية والقبيلة والثأر.
وهكذا لا يعود الخطر في قضية مظلوم واحد، وإنما في مجتمع كامل يبدأ بالبحث عن عدالته خارج مؤسسات الدولة.
وهذه هي اللحظة التي يجب أن نخاف منها.
لأن الدولة تستطيع أن تتحمل خطأً قضائياً يمكن تصحيحه بالاستئناف والنقض، لكنها لا تستطيع أن تتحمل ثقافة تجعل الناس يعتقدون أن القانون لا ينتصر
ارسال الخبر الى: