ما لا يشمه الذكاء الاصطناعي
لطالما هُمّشت حاسة الشمّ في الفلسفة والأدب لصالح البصر والسمع اللذين يرتبطان بالتفكير واللغة والرؤيا وما يسعى العقل إلى دراسته واختباره، ورغم صلة الرائحة الوثيقة بالحسّ، إلا أن حاستي التذوق واللمس تفوقتا أيضاً لامتلاكهما ميزة الاقتراب والاستهلاك المباشر للأشياء من حولنا. ثمة كتابات سعت إلى اختراق الهيمنة البصرية السمعية بالإشارة إلى وظائف إدراكية يقوم بها الأنف باستيعاب الغامض والبعيد، وهو ما أكده العلم بأن الاستنشاق هو الأكثر نفاذاً إلى دماغنا وتأثيراً عليه.
ما حدث مع البشرية على مرّ التاريخ يعاد اليوم مع الآلة، إذ تنفي دراسات نُشرت في الأشهر الأخيرة أسطورة تحويل الشمّ إلى حاسة رقمية، من خلال تصميم أجهزة محمولة تسجّل الروائح بنفس طريقة تسجيل الأصوات أو الفيديو، وتدمجها مع الأصوات واللغة والصورة والحركة ضمن قاعدة بيانات ضخمة، لم تحرز تطوراً كبيراً خارج تصنيف الروائح وابتكار جديد منها، بدليل استخدامها في تطوير صناعة العطور.
لا يمكن فصل الاستنشاق عن الفكر، وهذا ما يزال غائباً عن حدود الذكاء الاصطناعي
يبرز ذلك بوضوح ضمن محاولات الذكاء الاصطناعي إنشاء نصوص أدبية أو سيناريوهات لأفلام، تفشل عادة في تحديد الرائحة المناسبة للأمكنة والأشخاص والمشاهد التي يتم وصفها، أو إدراك ما إذا كانت الروائح متناسقة أم لا، بينما يبدي دقة أكثر في تخيّل الصور والألوان والكلمات والخرائط وإظهارها مع المذاق أو الصوت أو الشعور المرتبط بها.
يجادل بعض العلماء بأنه يمكن تحسين الأداء الشمّي للتطبيقات الذكية عبر تحميلها بمزيد من البيانات التي تعمّق ذاكرة الرائحة وعلاقتها بتاريخنا الشخصي وتفضيلاتنا الحميمة أو إحساسنا بالنفور، مثل علاقة رائحة الخبز بالطفولة ورائحة الجسد التي تدفع للإثارة أو تلك التي تصيبنا بالقرف والاشمئزاز. ويلفت هذا الفريق إلى أن حاسة الشم التي أُهمِلت كثيراً في التاريخ الإنساني تستعاد وتزداد قدراتها من خلال تمارين استندت إلى تجارب علمية، وتقوم على شمّ أنواع من الزيوت والمواد وتوسيع دائرة الأشياء التي يمكن التعرّف عليها من خلال رائحتها، ويمكن أن تصل إلى مليارات الروائح.
اكتشف الإنسان بعد آلاف السنين أن الشم حاسة أساسية.
ارسال الخبر الى: