وصايا لطفية الدليمي الطريق إلى فهم الذاكرة ومقاومة النسيان

70 مشاهدة
كتبت لطفية الدليمي نصوصها في مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن كما لو أنها تعبر حدودا غير مرئية بين الأدب والفكر والتاريخ لم تكن الكتابة عندها مجرد حرفة سردية بل مغامرة معرفية وتمردا على ما يفرضه الواقع من قوالب جاهزة عبر مشروع أدبي يرى في الخيال طريقا لفهم الذاكرة وفي الكتابة فعلا لمقاومة النسيان وصناعة المعنى وفق فلسفة خاصة تتجلى عبر اثنين من أهم أعمال الكاتبة الراحلة nbsp من سيرة القراءة إلى فلسفة العصيان قدمت الدليمي عدة منجزات وأعمال منها الروائية والقصصية والفكرية إضافة إلى مجموعة من الترجمات في الفلسفة والعلم والثقافة غير أنه لا يمكن الاقتراب من ملامح مشروعها الذي بقي يرافقها طوال حياتها دون اللجوء إلى سيرتها الفكرية التي تظهر بوضوح في كتابها عصيان الوصايا كاتبة تجوب أقاليم الكتابة دار المدى 2019 إذ يقدم صورة أكثر قربا من تجربتها النقدية والإبداعية التي شهدت تنوعا كبيرا nbsp يلقي الكتاب الضوء على نشأتها في بغداد واكتشافها الكتب والقراءة منذ طفولتها إذ أخذت تنهل بسرعة من مصادر الأدب العربي والعالمي ابتداء من ألف ليلة وليلة والتراث السومري وصولا إلى أعمال سارتر وألبير كامو وغيرهما وتكشف ضمن هذا الجانب من سيرتها عن انتباهها المبكر للتباينات الثقافية التي تميز المحيطين بها من أفراد عائلتها والتي تنعكس على المجتمع عموما إذ كانت محاطة بوالدها الماركسي وزوج خالتها المتدين فيما يحاول كل منهما جذبها إلى أفكاره nbsp تعبر نصوصها حدودا غير مرئية بين الأدب والفكر والتاريخ nbsp تبدأ لحظة الوعي من هذه التجربة حين تدرك لطفية أنها تنجذب إلى الخيال وأن تترك الكتب تقودها نحو شيء تريده هي ولا يريده الآخرون لها خصوصا حين تشعر بأن أيا من السائد حولها ليس كافيا لأن بيئة العراق كما أخذت تقرأ عنها احتضنت العديد من الأعراق والثقافات والامتداد الحضاري الذي رأته جديرا بالاستكشاف وانطلاقا من هذه المرحلة في حياتها بدأ مشروعها الفكري يكبر متمثلا في التمرد على الأطر التقليدية التي تحاصر المبدع سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو أيديولوجية تمضي الدليمي خلال الكتاب في رسم ملامح مشروعها من خلال العصيان الذي يبدأ من رفض السائد وما يفرضه من قوالب جاهزة على الكتاب الناشئين وتنتقل إلى عالم الأدب والرواية إذ ترى أن النص ملك لكاتبه وأنه مشروع يتحدى الديكارتية الصارمة لأنه وريث للأساطير والملاحم البطولية ومساحة لإطلاق العنان للخيال البشري متجاوزا ثنائية العقل والجسد الديكارتية تتخذ لطفية من فلسفة العصيان موقفا وجوديا وثقافيا إذ ترى أن الكتابة ليست مجرد استجابة للواقع فقط بل هي فعل مقاومة للسلطة بمعانيها المتعددة واستعادة للذاكرة الجمعية والفردية وتحرير للذات من أسر الانغلاق ليصبح المبدع بعصيانه فاعلا إيجابيا يهدف إلى إعادة بناء المعنى وتجاوز الحدود المفروضة على الفكر والخيال والتاريخ وهذا ما تختصره بقولها إن الكتابة تجربة سحرية تحررنا من أغلال الخوف وغلبة اليأس وتنقذنا من كل سلطة ضاغطة ولعل هذه المقولة تتجسد بوضوح في مشروعها الروائي أيضا الرواية والذاكرة في واحدة من أهم رواياتها عشاق وفونوغراف وأزمنة دار المدى 2016 تجسد الدليمي فلسفة العصيان على المستويين الجمالي والسردي فالرواية لا تعالج موضوع الحب والفقد فقط بل تمثل محاولة لتغليب الذاكرة الفردية على النصوص التاريخية وما تضمه من مظاهر العنف التي تنتج عن تقديس هوية شمولية وإلصاقها بأجيال كاملة من العراقيين خلال مراحل مهمة من تاريخ العراق خلال القرن العشرين وتشمل فترة انحسار الهيمنة العثمانية ودخول الاحتلال البريطاني توظف الدليمي تقنيات تسمح لها بتداخل الأزمنة والأمكنة للتعبير عن مشاعر الاغتراب والشتات التي يعيشها أبطال الرواية الذين إما يعانون من الانغلاق الطائفي ومظاهر رفض الآخر التي تصل إلى حد رفض الثقافات من حضارات أخرى أو من العزلة والاغتراب في المنفى الذي لا يعوض عن وطن يمزقه الفساد أو أطماع بعض أبنائه إضافة إلى الظلم الذي يتفاوت بين طبقاته الاجتماعية ويطاول أفراده من نساء أو أطفال أو رجال بشكل يتكرر خلال حقب تاريخية مختلفة nbsp ويشكل الفونوغراف في الرواية استعارة مركزية للصوت الإنساني العابر للزمن إذ يتجاوز وظيفته ليصبح رمزا للذاكرة والحنين واستعادة الأصوات الغائبة وربط الماضي بالحاضر ومن خلاله تستطيع بطلة الجيل الثاني في الرواية نهى اكتشاف جانب من تاريخ أفراد عائلتها مما يقودها لاحقا إلى البحث عن مصائرهم وخيباتهم وأحلامهم في الماضي ومحاولة إيجاد طريقها الخاص في المستقبل حتى لا تنتهي حياتها بالحزن والوحدة والفشل ومن خلال هذا الرمز تشير لطفية أيضا إلى نظرتها للكتابة على أنها تجسد عصيانا ضد نسيان التاريخ للناس وأحلامهم وحكاياتهم كما تجسد كذلك محاولة جادة للبحث في أسئلة الوعي والوجود والكون إذ يتداخل السرد الأدبي في روايتها مع الوقائع والأحداث التاريخية عبر استحضارها نصوصا من التراث السومري والبابلي والأدب العالمي وأعمالها السابقة حتى تؤكد أن الكتابة عملية تطوير مستمر في مواجهة الجمود الذي يعد عدوا للروائي والكاتب nbsp تترك الكتب تقودها نحو شيء تريده هي ولا يريده الآخرون لها nbsp لا تتأثر هذه الرواية بمشروع الدليمي الثقافي أو الفكري فقط إنما تعد ذروة رؤيتها وجهودها في ترك أثر متميز عبر قلمها ففي إحدى أهم مسرحياتها الليالي السومرية تستلهم ملحمة جلجامش من خلال إعادة تمثيل دور المرأة فيها وإشراكها في رحلة البحث عن الخلود وإظهار دورها المحوري في الصراع التراجيدي بين الإنسان والموت وبين الفرد والسلطة كما حاولت أيضا طرح فكرة مغايرة عن الزمن التقليدي عبر التلاعب بمفهوم الماضي والمستقبل وهو ما ينعكس في رواية عشاق وفونوغراف وأزمنة وفي مجمل أعمالها من قصص وروايات ومسرحيات إذ تؤمن أن للمرأة نصيبا من الحضور التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي لم تأخذ حقها فيه بعد بشكل كاف بعد nbsp عملت لطفية الدليمي بشكل يمكن وصفه بالموسوعي أو المتنوع إذ ترجمت الأدب والنقد واهتمت بالفيزياء والفلسفة والعلم وربطتها بتجربتها الخاصة وواكبت أغلب التطورات في هذه المجالات إلى جانب متابعتها لمتغيرات الثقافة في العالم مما يجعلها تتفوق على العديد من أبناء جيلها في هذا المجال خصوصا أنها جمعت بين شخصية الروائية والمترجمة والمؤرخة والمرأة التي لا تدافع عن حقوق النساء فقط بل وعن حق جميع القراء في التخيل والابتكار والإبداع nbsp

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح