أدلجة وتسييس التعاطف المدخل الغائب في دعم القضية الفلسطينية

حظيت القضية الفلسطينية عبر عقود طويلة بحضور واسع في المجال الأخلاقي والحقوقي العالمي، كما تمتعت بدرجات كبيرة من التعاطف الشعبي الدولي، تعززت بصورة غير مسبوقة بعد حرب الإبادة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر. ومع ذلك، فإن هذا الاتساع في التعاطف لم ينعكس بصورة موازية في سياسات الدول أو في بنية مراكز القرار الدولي، وهو ما يكشف عن مفارقة مركزية في موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الدولي المعاصر.
المشكلة الأساسية التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم لا تتمثل في ضعف التعاطف العالمي معها، بل في محدودية تحويل هذا التعاطف إلى تبنٍ سياسي وأيديولوجي قادر على التأثير في سياسات الدول واتجاهات النظام الدولي. فالتعاطف، مهما اتسعت دائرته، يبقى موقفًا أخلاقيًا ما لم يتحول إلى عنصر من عناصر التفاعل السياسي المؤسسي داخل الدول، من خلال الأحزاب والبرلمانات وشبكات الضغط ومراكز النفوذ المختلفة.
وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى التجربة المقابلة للمشروع الصهيوني، الذي لم يقم أساسًا على التعاطف الشعبي العالمي بقدر ما ارتبط منذ نشأته المبكرة بتبنٍ إمبريالي من القوة المهيمنة في النظام الدولي، بدءًا من الإمبراطورية البريطانية وصولًا إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح جزءًا من ترتيبات النفوذ الغربي في المنطقة. وقد وفّر هذا التبني للمشروع الصهيوني مظلة سياسية واستراتيجية مستمرة مكّنته من الحفاظ على موقعه داخل النظام الدولي رغم التحولات المتزايدة في اتجاهات الرأي العام العالمي.
وقد كشفت الحرب على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر عن اتساع غير مسبوق في نطاق التعاطف الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني، حيث شهدت العديد من العواصم الدولية موجات احتجاج واسعة وتحولات ملحوظة في خطاب قطاعات من الرأي العام والمؤسسات الأكاديمية والمدنية. غير أن هذه التحولات، على أهميتها، لم تؤدِّ إلى تغيير موازٍ في مواقفلا عدد من الدول المؤثرة في النظام الدولي، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين المجال الأخلاقي العالمي الذي تتحرك فيه مواقف الرأي العام، وبين المجال السياسي المؤسسي الذي تُصاغ فيه سياسات الدول وتحالفاتها.
ولا يتحول التعاطف الشعبي مع القضايا الدولية
ارسال الخبر الى: