نحكي كي لا ننسى
عزمتُ منذ أيّام على العودة إلى بيتنا في مدينة غزّة. استيقظت في الخامسة فجرًا، كي أتأمّل الصباح وأعود بالذاكرة إلى صباحاتٍ كنت أصحو فيها على صوت أبي وأمي وإخوتي مُجتمعين في البيت.
يخيل إليّ، في أحيانٍ كثيرة، أنّني لا أريد سوى أن أرتدي الثوب الأسود إلى آخر الدهر، حدادًا على الهواجس التي تحقّقت، والسنوات التي استطاعت أن تُفلت من حدودها؛ لأنّ أعمارَنا، كما هو معروف، تفيض عن أعمارِنا، وتقفز بلا استئذان إلى ما قبلها أو ما حولها، وتمتدّ مُتشعبة في التاريخ والجغرافيا.
أتأمّل نفسي بعد عامين من الحرب، أحدّق في الفراغ حولي، فتتداعى الذكريات، وتتردّد في الصدر تأتأةٌ أو دندنةٌ تشي بتأثّرٍ أو حنين، أو شيءٍ ما أعمق وأكثر تركيبًا، تستعصي تسميته.
كلّما تذكّرت رغبتي الملحّة بالسفر، وما تبعها من سفر إخوتي جميعًا خلال الحرب (بعضهم مرافق لمريض، وبعضهم ضمن حالات الإجلاء) أنتبه إلى العائلة التي تفرّقت كحبات عقدٍ انفرط، فغدا كلٌّ منهم موزّعًا بين عُمان ومصر وتركيا. أشعر بغصّة الشوق، لكنّي أنتبه إلى صوتٍ آخر يسكنني، وهو أني مُتيّمة في عشق هذه المدينة، وأشعر بامتياز العودة إلى البيت، حتى وإن أضحى ركامًا بعد عامين من الحرب على غزّة، وأنّي انتصرت على شعوري باليأس من فكرة عدم العودة مُطلقًا إلى شمال القطاع.
ما دامت الحكاية قابلة لأن تُروى... لن تموت
في طريقي إلى العمل صباحًا، وفي طريق العودة على شارع الرشيد، أحاول بكلّ ما فيّ من إحساس أن أغمض عينيّ طويلًا، وأن أستنشق رائحة البحر (هواء الشيخ عجلين والبيدر)؛ لأنّ أجمل الأشياء هي ما نشعر بها داخلنا فقط، ولأنّي أعرف أنّ إقامتي باتت مسألة وقت فحسب، لأنّ ثمّة حياة أخرى سأسلكها، وطريقًا آخر اخترت، وبكامل وعيي، أن أعبره، ولكن هذه المرّة خارج أسوار هذه المدينة التي قهرتنا جميعًا، ولكننا سنظل نحبّها إلى الأبد.
أسمع والدي يردّد دائمًا: هاد قدرنا الفلسطينية. نعم، قدرُ أن نعيش ممزّقين دائمًا ما بين البين والبينين، قدر أن يعيش أحدنا داخل البلاد وآخر خارجها، بينما كلانا
ارسال الخبر الى: