كيف نحكي روايتنا بأنفسنا

28 مشاهدة

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض على الأرض وحدها، بل أصبحت تُخاض أيضًا في فضاءات السرد، حيث تتنافس الروايات على تشكيل الوعي، وتتنازع الخطابات على احتكار الحقيقة. ففي عالم تحكمه منظومات الإعلام الرقمي والخوارزميات وشبكات التأثير، لم يعد امتلاك القوة العسكرية كافيًا؛ إذ باتت السيادة السردية عنصرًا أساسيًّا في موازين القوة، وأصبح إنتاج الرواية جزءًا من الصراع السياسي نفسه.

في هذا السياق، تقف خانيونس بوصفها أكثر من مدينة أنهكتها الحرب؛ إنها نموذج لصراع يتجاوز الدمار المادي إلى صراع على الذاكرة والهوية والشرعية. فالمكان الذي شهد تحولات عميقة في بنيته الاجتماعية والعمرانية يواجه اليوم تحديًا آخر يتمثل في مقاومة الاختزال: اختزال المدينة في مشاهد الركام، والإنسان في أرقام وإحصاءات، والتاريخ في سرديات متنافسة لا تمنح أصحاب التجربة حق الكلام.

من هنا، لا يصبح سؤال: كيف نحكي روايتنا بأنفسنا؟ سؤالًا أدبيًّا فحسب، بل سؤالًا سياسيًّا وأخلاقيًّا يتعلق بمن يمتلك سلطة تعريف الواقع، ومن يصوغ الذاكرة الجمعية، ومن يحدد الكيفية التي سيقرأ بها العالم هذه المرحلة بعد أن يصمت صوت السلاح. فالرواية ليست مجرد وصف للأحداث، وإنما ممارسة للسيادة على المعنى، ومحاولة لاستعادة الإنسان من بين ركام السياسة، وإعادة المدينة إلى موقعها بوصفها فضاءً للحياة، لا مجرد مسرح للحرب.

ومن هنا أيضًا، لا تبدو خانيونس مجرد مدينة منكوبة، بل فضاءً سياسيًّا يخوض معركة مزدوجة: معركة البقاء المادي، ومعركة البقاء الرمزي. فالاستعمار الاستيطاني لا يكتفي بإعادة تشكيل الجغرافيا، بل يسعى إلى التأثير في الوعي نفسه، بحيث يصبح المحتل منتجًا للرواية، وتغدو الضحية مجرد موضوع يُتحدث عنه، لا ذاتًا تتحدث باسمها.

إن أخطر أشكال الهيمنة ليست السيطرة على الأرض وحدها، بل الهيمنة السردية؛ حين تُنتزع من الشعوب قدرتها على تسمية ما يحدث لها، فتُفرض عليها مفردات الآخر، ويُعاد تعريف مأساتها بلغة القوة بدل لغة العدالة. عندها تتحول المجازر إلى أضرار جانبية، والتهجير إلى إجراءات أمنية، والمعاناة الإنسانية إلى مادة قابلة للتفاوض داخل الخطاب السياسي الدولي.

إن كتابة الفلسطيني روايته ليست فعلًا ثقافيًّا فحسب، بل ممارسة للسيادة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح