لم نبع فهل كان ذلك خطأنا

يمنات
يحيى الرباط
لم نكن يومًا طارئين على هذا الميدان، ولا كُتبت مواقفنا بحبر الجعالات، ولا عُلّقت على أكتافنا رتبٌ من كرتون.
كتبنا وأذعنا ووقفنا حين كانت الكلمة موقفًا له ثمن، وحين كان الثبات امتحانًا لا ينجح فيه أصحاب المصالح.
لم يكن موقفنا وظيفةً ننتظر راتبها، ولا سلّمًا نصعد به إلى مكاتب المسؤولين، كان قناعةً دفعنا ثمنها من أعمارنا وأرزاقنا، وما زلنا عليها.
لكنني أسأل اليوم سؤالًا لا أستطيع دفنه أكثر:
ماذا تفعلون بالرجل الذي لم يبع موقفه، ثم تتركونه عاجزًا عن تأمين أبسط احتياجات أطفاله؟
ماذا تقولون لأبٍ يملك القلم والخبرة والصوت والقدرة على العمل، ثم يعود إلى بيته وهو يحسب ثمن الطريق، وثمن الدواء، وثمن الخبز؟
هل هكذا يُكافأ الصادق؟
يُستدعى حين تحتاجونه، ويُطلب موقفه حين تحتاجون الرجال، ثم حين يحتاج هو إلى فرصةٍ واحدة،
يصمت الجميع؟
لا تقولوا: اصبر.
لقد صبرنا.
ولا تقولوا: أنت صاحب موقف.
موقفي لا يحتاج شهادةً من أحد.
ولا تجعلوا “الظروف” ستارًا لتهميش الكفاءات، بينما يجد المتملقون والمتسلقون طريقهم إلى الواجهة.
أنا يحيى الرباط.
لم أبع موقفي كي أعيش، ولن أبيعه.
لكنني أرفض أن يتحول ثباتي إلى عقوبة، وحيائي إلى فرصةٍ لاستغلالي، وصمتي إلى إذنٍ بتهميشي.
أنا لا أطلب صدقةً ولا مكرمة.
أطلب أن أعمل.
أريد أن أعيش من قلمي وصوتي وخبرتي، لا من منّة مسؤول، ولا من جيب متنفذ.
فإن كانت الكفاءة لا تكفي، فقولوا لنا: ماذا يكفي؟
وإن كان الطريق إلى العمل يمر عبر الواسطة والتملق، فقولوا لنا صراحة:
هل أصبح الانحناء شرطًا للعيش؟
لأن الرجل قد يحتمل الفقر، وقد يحتمل الحرمان، وقد يحتمل أن يُنسى..
لكن أن يرى أبوابًا تُفتح لمن لا يملك نصف قدرته، بينما يُترك هو خلفها لأنه اختار أن يبقى واقفًا،
فهنا لا تُهان كرامة رجلٍ واحد، يُهان معنى العدالة نفسه.
ارسال الخبر الى: