ناجية من ثلاث حروب وجائحة وأزمة اقتصادية

29 مشاهدة

أنا من مواليد التسعينيات، وقررتُ أن أكفّ عن الاعتذار. لن أعتذر عن تعبي، ولا عن غضبي، ولا عن حلمي الذي تأخّر 30 عامًا. سئمتُ من أن يُفرض عليّ الامتنان لمجرد أنني على قيد الحياة، ومن جملة “احمدي ربّكِ، غيرك وضعه أسوأ”. الوجع ليس منافسة، ومن يواسيكِ بمقارنة وجعكِ بوجع الآخرين لا يواسيكِ، بل يكمّمكِ.

ولأن أحدًا لا يسألني عمّا فعلته بي الحياة، سأكتب سيرتي بنفسي؛ لعلّ الورق يتّسع لما ضاقت به الأسئلة.

الاسم: واحدة من مواليد التسعينيات. العمر: أكثر من 30 عامًا في الأوراق، وعمرٌ آخر تقيسه حروب لم تنتهِ في الجسد. الخبرات: التدرّب على النجاة، وإتقان الانتظار، وترويض الخوف حتى يصير جزءًا من نظام اليوم. المهارات: النوم على وقع القصف، وتمييز الانفجارات من دون أن أرفع رأسي عن الوسادة، وحساب سعر الدولار قبل ثمن الخبز، وإخفاء ارتجافة الروح خلف ابتسامة تصلح لمقابلة عمل. المرجع: كل الذين نجوا ثم مضَوا كأن أحدًا لم يطلب منهم أن يثبتوا كل يوم أنهم يستحقون الحياة.

الصبر فضيلة فردية أمام قدر لا يُرد، لكنه يصير أداة حكم حين يُطلب من شعب كامل أن يصبر على الفساد وبطالة الخريجين، فحينها لا نُدعى إلى الفضيلة بل إلى التواطؤ

لن تجد هذه السيرة مكانًا في مكتب توظيف، فالسوق لا يدفع أجرًا لمن أتقنت احتمال الفقد. ومع ذلك، هذه سيرتي، ولا أملك غيرها.

وُلدتُ وفي البلاد حرب تنتهي أو تكاد. قيل لنا إننا جيل الإعمار، فصدّقنا، وكبرنا على الوعد كما يكبر الأطفال على حكاية قبل النوم. ثم جاءت الحرب الثانية ونحن في المدرسة، فتعلّمنا أن الأمان استراحة بين جولتين، وجاءت الثالثة فعرفنا أن الأسوأ لا يعرف الحياء. دخلنا الجامعات ونحن نصدّق أن الشهادة جواز عبور، فاكتشفنا أن الجواز يحتاج إلى واسطة، والواسطة إلى حزب، والحزب إلى ولاء بلا أسئلة. ثم أغلقت الجائحة ما كان مواربًا، وأكل الانهيار ما ادّخرناه، وصارت أعمارنا تُقاس بأسعار الصرف. وكلما شكونا قيل لنا: اصبروا، فالبلد يمرّ بظرف استثنائي. 30 سنة من الظرف الاستثنائي،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح