لست مهزوما ما دمت تقاوم فلسفة الصمود ومعنى القوة

59 مشاهدة
تتأسس فكرة الهزيمة في الوعي الإنساني على تمثلات مركبة تتجاوز الوقائع العسكرية المباشرة حيث تتداخل الرمزية مع التجربة التاريخية ويتحول الحدث من مجرد واقعة إلى بنية دلالية تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم في هذا السياق تغدو المقاومة فعلا يؤسس للمعنى قبل أن يكون استجابة ظرفية وتتحول إلى أفق وجودي يحدد موقع الإنسان داخل معادلات القوة والهيمنة ومن ثم فإن العبارة القائلة لست مهزوما ما دمت تقاوم المنسوبة إلى الثائر الأرجنتيني إرنستو تشي غيفارا تكتسب عمقها من هذا التداخل بين البعدين الوجودي والتاريخي حيث يتحدد معنى الانكسار بمدى قدرة الذات على الحفاظ على إرادتها الحرة في مواجهة الضغوط الخارجية يمتد هذا التصور عبر مسارات التاريخ الإسلامي حيث تكشف لحظات الانهيار الكبرى عن دينامية داخلية قادرة على إعادة إنتاج الفعل الحضاري فقد مثل اجتياح المغول لبغداد سنة 1258 ذروة التصدع في البنية السياسية والعلمية ورافقه دمار واسع طاول مراكز المعرفة والسلطة غير أن هذا الحدث لم ينه الفاعلية الحضارية بل أعاد توزيعها في فضاءات جديدة فاستمرت الحركة العلمية في مناطق أخرى واستأنفت المجتمعات إنتاج أشكال مختلفة من التنظيم والمعرفة في هذا الإطار تظهر المقاومة كحالة كامنة في الوعي الجمعي قادرة على تجاوز الصدمة وتحويلها إلى طاقة للنهوض ويتكرر هذا النمط في تجربة الأندلس حيث يمثل سقوط غرناطة سنة 1492 نهاية مرحلة سياسية للوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية مع بقاء الأثر الحضاري ممتدا في الثقافة واللغة والذاكرة ويكشف هذا الامتداد أن الفعل التاريخي لا يختزل في لحظة الانتصار أو السقوط بل يتجلى في قدرة الجماعة على الحفاظ على عناصرها الرمزية وإعادة توظيفها في سياقات جديدة ومن هنا تتضح العلاقة بين المقاومة والذاكرة إذ تعمل الأولى على حماية الثانية من التلاشي وتمنحها إمكانية الاستمرار كفاعل ضمني في تشكيل الوعي في السياق الراهن يندرج العدوان الأميركي والصهيوني على إيران ضمن بنية أوسع من الصراع المرتبط بإعادة تشكيل النظام الدولي وفق موازين قوة غير متكافئة ولا يقتصر هذا العدوان على البعد العسكري المباشر بل يمتد ليشمل أدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية تهدف إلى فرض نمط محدد من العلاقات الدولية قائم على الإخضاع وإعادة الهيكلة وأمام هذه المنظومة تتخذ المقاومة طابعا متعدد الأبعاد يتجلى في الخطاب السياسي وفي إدارة الموارد وفي القدرة على الصمود أمام الضغوط المركبة تغدو المقاومة فعلا يؤسس للمعنى قبل أن يكون استجابة ظرفية وتتحول إلى أفق وجودي يحدد موقع الإنسان داخل معادلات القوة والهيمنة وتكتسب هذه المقاومة بعدا فلسفيا يتقاطع مع التصورات الوجودية التي ترى أن الإنسان يتحدد من خلال أفعاله واختياراته وفي هذا الإطار يمثل الرفض شكلا من أشكال تأكيد الذات إذ يتحول إلى فعل يحدد هوية الفاعل ويمنحه موقعا داخل شبكة العلاقات القائمة إن الإصرار على الاستمرار في الفعل رغم اختلال موازين القوة يعكس وعيا يتجاوز الحسابات النفعية الضيقة ويتجه نحو تأسيس معنى أعمق للوجود الإنساني يقوم على الحرية والكرامة كما تكشف قراءة الصراع في ضوء فلسفة القوة أن الهيمنة تعتمد على إنتاج صورة ذهنية عن حتمية الخضوع حيث تقدم القوة بوصفها قدرا لا يمكن مقاومته غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذه الصورة قابلة للتفكك عبر ممارسات مستمرة من الرفض والصمود والمقاومة تؤدي مع الزمن إلى إعادة تشكيل موازين التأثير وبذلك تصبح المقاومة عملية تراكمية تشتغل على مستويات متعددة وتعيد صياغة العلاقة بين الفاعلين داخل النظام الدولي في الحالة الإيرانية يتجلى هذا البعد في القدرة على الجمع بين العمل الدبلوماسي والاستعداد العسكري وفي إدارة التفاوض من موقع يسعى إلى الحفاظ على السيادة وكرامة الأمة الإيرانية إن التمسك بشروط محددة في التفاوض والسعي إلى فرض الاعتراف بالمصالح الوطنية يعكس شكلا من أشكال المقاومة التي تتحقق داخل المجال السياسي وتترجم في مواقف عملية تعيد تعريف حدود الممكن وتندرج هذه الممارسة ضمن تصور أوسع يرى أن الصمود لا يقتصر على المواجهة المباشرة بل يشمل أيضا القدرة على المناورة وإعادة ترتيب الأولويات وفق معطيات الواقع وتؤكد هذه القراءة أن الهزيمة لا تختزل في نتائج آنية بقدر ما ترتبط بمدى قدرة الفاعل على الاستمرار في إنتاج المعنى فكلما حافظت الجماعة على وعيها بذاتها وعلى قدرتها على الفعل استمرت في مقاومة محاولات الإخضاع واحتفظت بإمكانية التأثير في مسار الأحداث وهكذا تتحول المقاومة إلى معيار لتقييم الفعل التاريخي إذ تقاس بقدرتها على حماية الكرامة الإنسانية وفتح أفق لمستقبل مختلف في الختام تغدو عبارة لست مهزوما ما دمت تقاوم تعبيرا عن موقف فلسفي متكامل يربط بين الوجود والمعنى وبين الفعل والتاريخ فهذا الموقف يعيد تعريف العلاقة بين القوة والإرادة ويؤكد أن الإنسان يمتلك دائما هامشا للفعل مهما كانت الظروف ومهما بلغت قوة المعتدي ومن خلال هذا الهامش تتشكل إمكانيات جديدة ويعاد رسم مسار التاريخ بطريقة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية وعمقها

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح