مهرجان مارس الموسيقي في برلين على أزيز المسيرات

86 مشاهدة
افتتحت مؤسسة مهرجانات برلين نسخة العام الحالي من مهرجان مارس الموسيقي Maerzmusik جنوب العاصمة الألمانية بعرض مهيب لمقطوعة المؤلف النمساوي الحداثي غيورغ فريدريش هاس Georg Friedrich Haas البالغ من العمر 72 عاما والمعنونة أحد عشر ألف وتر وذلك على أرض مجمع ماهالا MaHalla وهي منشأة صناعية عملاقة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر أعيد توظيف مساحاتها الواسعة لتمسي صالات ومختبرات واستوديوهات تستقبل الفعاليات الفنية الموسيقية والتشكيلية ذات الطابع المفاهيمي والتجريبي تعتمد مقطوعة هاس تشكيلا فراغيا أشبه بصرح فن تركيبي Installation يتألف من خمسين آلة بيانو توزع على محيط دائرة تحيط بالمساحة المخصصة للاستماع توجه ألواح مفاتيحها نحو المركز حيث يجلس الحضور كما تتخلل كل عدد من البيانوهات آلة أو مجموعة آلات من فرقة موسيقية تتنوع بين وترية ونفخية وإيقاعية وقد تطلب إحياء عرض على هذه الدرجة من الضخامة عددا وعتادا عملية لوجستية معقدة من جهة ومن جهة أخرى ابتكار حلول تكنولوجية لتسهيل مهمة قيادة العازفين من بينها بث المقياس الإيقاعي الناظم الصادر عن المايسترو الزمبابوي فيمباي كازيبوني إلى أجهزة لوحية وزعت على أعضاء الفرقة الفييناوية كلانغ فوروم فيين أما تحديد مقاطع العزف والسكوت لكل منهم فقد نسق عبر تطبيق مؤقت زمني محمل على هواتفهم وكذلك المخرج الصوتي الذي تناهى على شكل دوي شبه مستمر امتد لساعة ونصف في أرجاء المنشأة الصناعية ذات الجدران العارية والسقوف العالية لم يكن بدوره أقل تركيبا وتعقيدا في التأليف الموسيقي فبغرض إحداث دفوق نغمية عارمة هدارة تعم المكان وتكاد تصم الآذان في بعض الأحيان أجرى المؤلف تعديلا طفيفا على دوزان كل من آلات البيانو تلك الفروقات الصغرى Microtones الناتجة عن استبدال نهج تجريبي لامعياري بعرف الضبط الموحد للرنين جعلت الأصوات الصادرة عند العزف معا تتداخل وتتراكب من دون أن تتطابق أو تتخامد لتتعاظم محولة الاستماع إلى تجربة صوتية مساحية مثيرة للمخيلة وللجملة العصبية في آن معا لذا فإن مقطوعة هاس تبدو بمثابة عمل أدائي شبه جماهيري مكلف ومخصص للفعاليات الثقافية الكبرى يقارب السماع من إطار خبروي متعلق بالتأثير النفسي والجسدي على الحضور لا من منظور تعبيري يرتبط بإيصال العواطف والأفكار من المبدع إلى المستمع إلا أن الأثر النفسي المترتب على التفاعل الخبروي الحي مع المقطوعة الأدائية قد يبلغ حدا يحدث استجابات رضية خصوصا إن ساء حظ المستمع بأن أتى من أحد بلدان الشرق الأوسط فالأصوات الصادرة عن الأوتار الأحد عشر ألفا حين تعزف معا تستدعي إلى المخيلة السمعية صوتا يقترن إلى حد كبير بالطائرات المسيرة التي أمست آلة أساسية من آلات الحرب المعاصرة وسلاحا مدمرا يتصدر النزاعات الدائرة حاليا في شرق أوروبا كما في الاعتداءات العسكرية الأميركية الإسرائيلية بالمنطقة إذ تجوب أسراب المسيرات الأجواء ليلا ونهارا فوق أوكرانيا وإيران ولبنان ودول الخليج العربي تتربص بالحجر والبشر وتصيب أهدافها بصواريخ موجهة تزداد فتكا وإرهابا بقدر ما تزداد إصاباتها دقة خلافا للطيف شديد التركيب الناتج عن الفروقات الصغرى في دوزان آلات البيانو الخمسين فإن البصمة الصوتية للطائرة من دون طيار مسطحة رتيبة وأحادية النغمة ومع ذلك ثمة عاملان قد جعلا من الدوي الذي انتشر في ماهالا أثناء العرض الافتتاحي يستحضر الرعب المقترن بأصوات المسيرات العامل الأول أيني مرتبط بالتوزيع المحيطي Surround إذ يحجب مصدر الصوت عن المتلقي لذوبانه في دفوق فاقت مدياتها وقوة انبعاثها قدرة الأذن على رصد أي إحداثية تربطها بإحدى الآلات الماثلة في القاعة أكانت أمام مرأى الجمهور أم موضوعة من ورائه يشابه أثر التوزيع المحيطي للصوت عجز من هم على الأرض خلال الهجوم عن تحديد موقع المسيرة المحلقة عاليا في السماء على الرغم من سماع أزيزها في الأجواء أما العامل الثاني فكمي إذ تؤدي الكثافة اللونية الصادرة عن عشرات الآلات المصفوفة على محيط الدائرة المحيطة بالجمهور إلى أن يستأثر الصوت بفضاء المكان فيسد كل ثغرة صمت فيه ويستدعي خلال الاستماع المتأهب ديستوبيا قاتمة من وحي الحروب القادمة حيث السماء تعج بآلاف المسيرات من مختلف الأشكال والأحجام والمهمات الأمنية والحربية وبين الحين والآخر يباغت عازف الإيقاع الآذان بقرعه طبلا كبير الحجم بقوة شديدة فتنقز الأبدان كما لو تهيأ لها أن انفجارا قد وقع جراء سقوط صاروخ nbsp معظم المراجعات النقدية التي سلطت الضوء على مقطوعة هاس 11000 وتر منذ عرضها الأول في خريف عام 2023 لم تستقرئ صلات تأويلية تربطها بثيمة الحرب وإنما توقفت عند حدود توصيفها بوصفها موسيقى سيكو صوتية ذات كمون حسي شديد الإثارة والوطأة على المستمع واعتمادها مقاربة تجريبية تقوم على الدفق النغمي الكثيف وتهيئة البيئة السمعية لتفاعل حي بين الصوت والمكان والإنسان إلا أنه في المقابل فقد بدا من الصعب اختبار العمل خارج سياق الحقبة التاريخية المفصلية التي أبدع فيها وبالتالي تجنب إسقاط مناخه المتلبد على عالم مضطرب شهد خلال ثلاثة أعوام حروبا إقليمية كبرى ونزاعات دموية متفرقة في أوكرانيا وفلسطين وفي الخليج العربي خصوصا أن الموسيقى الكلاسيكية الغربية كثيرا ما أبدت حساسية إبداعية وفكرية إزاء الحروب عبر تجسيدها بأصوات الآلات الموسيقية سواء بصورة مباشرة أو رمزية ففي القرن التاسع عشر كتب لودفيغ فان بيتهوفن مقطوعته المسماة نصر ويلنغتون تخليدا للمعركة الحاسمة التي هزم فيها جيش نابليون إذ وظفت الآلات الإيقاعية في إعادة إنتاج أصوات المدافع والبنادق وفي حقبة الحرب الباردة أدخل عدد من الحداثيين الطليعيين أصداء التوتر الجيوسياسي إلى موسيقاهم ففي مقطوعته أناشيد Hymnen عام 1966 حول كارلهاينتس شتوكهاوزن تسجيلات الأناشيد الوطنية إلى مادة صوتية بدت في بعض مقاطعها صفارات إنذار في سياق بث رسائل سياسية مناهضة لمؤسسات القوة أما المؤلف الأميركي جورج كرمب فقد دمغ مقطوعته المعنونة الملائكة السوداء Black Angels سنة 1970 بمقطع افتتاحي رهيب إذ جعل آلات الكمان تزعق فتحاكي خفقان المروحيات الأميركية وهي تدك الأدغال المأهولة خلال حرب فييتنام

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح