عبق منمنم لفاطمة عمران تجاور المقدس واليومي
تبدو فاطمة عمران كأنها تكتب سيرة موازية للصورة في التراث الإسلامي؛ سيرة لا تتكئ على الحنين وحده، ولا على التجريب الشكلي المجرد، بل على محاولة جريئة لإعادة التفكير في المنمنمة باعتبارها كياناً يتقاطع فيه الفن والمعرفة والذاكرة.
هكذا يقترب معرضها عبق مُنمنم الذي افتتح في غاليري آزاد بالقاهرة أول من أمس الثلاثاء ويتواصل حتى 20 من الشهر الجاري، من تجربة تأملية، تُعيد تعريف الجمال بوصفه توتراً خلاقاً بين زمنين، زمن يندثر، وآخر يحاول أن يولد من داخله. تعود الفنانة التشكيلية المصرية إلى المنمنمة الإسلامية، لكن من زاوية لا تتعامل معها باعتبارها أثراً محفوظاً في المتاحف، أو قالباً جمالياً مكتملاً، بل فضاء مفتوحاً لإعادة التفكير في الصورة ومعناها، وفي العلاقة الملتبسة بين النص والزمن.
لا تستعيدُ الفنانة هُنا المنمنمة بالمعنى الحرفي أو الزخرفي، بقدر ما تقوم بتفكيك بنيتها الجمالية ثم إعادة تركيبها داخل سياق بصري معاصر. هنا، لا نرى الحكايات المرسومة باعتبارها مجرد مشاهد تاريخية مستقرة، بل بوصفها طبقات من الوعي الجمعي، تتجاور فيها اليوميات مع المقدّس، واللعب مع الطقس، والفتنة البصرية مع أثر الزمن والتآكل.
في عدد من الأعمال المعروضة، تتوزع الشخصيات داخل مساحات ملونة تهيمن عليها درجات الأزرق والأحمر والأخضر، غير أن هذه الدرجات اللونية تبدو مغطاة ببقع الصدأ وأثر الماء، كأن اللوحات عُثر عليها بعد زمن طويل من الإهمال. هذا التضاد بين النقاء المفترض للمنمنمة، وبين إحساس القِدم الذي يلفها والشروخ التي تتسلل إلى سطحها، يمنح المشاهد إحساساً بأن الصورة ليست نهائية، بل مهددة دائماً بالاندثار وإعادة التشكّل في الوقت ذاته.
تُعيد الفنانة تعريف الجمال بوصفه توتراً خلاقاً بين زمنين
كما أن الإيحاء بأثر الرطوبة والعَطب يكسب الأعمال حالة من السيولة والاحتمال، فتبدو ذاكرة ثقيلة، تُعلن مرور الزمن وتآكلَ السرديات المستقرة. بهذه الطريقة، يصبح العمل الفني مساحة يتجاور فيها الحاضر مع الماضي، من دون أن يعلو أحدهما على الآخر. فأثر الزمن لا يطمس الصورة تماماً، بل يترك آثاراً أشبه بما يبقى عالقاً
ارسال الخبر الى: