مكيافيللي لم يكتب الأمير

لم يسلم المفكر السياسي الإيطالي الشهير نيقولو مكيافيللي، من نسب بعض التعبيرات والمقولات إليه. ليست المفاجأة فيما «تواتسوه» (أي تداولوه عبر «واتساب») ودبجوا من مقالات أن مكيافيللي ينصح «الأمير» لورينزو دي مديتشي في القرن السادس عشر الميلادي -وكل «أمير» بعده- بحشو حاشيته بالمنافقين.
اسبحوا مع مبالغات أولئك السابحين في محيطات التواصل الاجتماعي حتى تبلغوا معهم ضفة القول: «إن مكيافيللي لم يكتب كتاب (الأمير)؛ لا سيما أن الكتاب نُشِرَ بعد وفاته بعقد ونيف!»... ما المانع ألا يُقال هذا بعدما نُعِتِ الكاتب بنعوت سيئة صوَّرَته على غير حقيقته، بلسان رجال الدين يومذاك، والقراء بعدهم حتى يومنا، عزّزتها مقولات رائجة أكثر من الكتاب.
المفاجأة أن مكيافيللي لم يكتب قط العبارة الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة».
أرأيتم، كيف يتناقل أكثر الناس ما لم يُقَل، وأقل منهم بكثير يتبيّن صحة ما يُقال.
لا أدّعي أن الحدس أو الشك الذاتي لدى محدثكم هو السبَّاق إلى اكتشاف عدم ورود تلكم العبارة ضمن كتاب «الأمير»، لكن البحث المستمر قادني إلى اكتشاف موقع مختص بتمييز سمين الحقائق عن غث الأوهام «حقيقة - خرافة» factmyth.com سبق فيه صانع المحتوى والخبير الاستراتيجي الأميركي توماس ديميتشل إلى التحقق من عدم قول مكيافيللي هذه «العبارة التي أعدمت الكتاب»، حسب تعبير الأكاديمي والدبلوماسي العراقي ياسر عبد الحسين في تقديمه للطبعة الصادرة عن «دار الرافدين».
إحدى الدراسات عن «مطارحات مكيافيللي» فسّرت تفسيراً إيجابياً الفعل السياسي الذي أراده من وراء توجيه رسالته الشهيرة تلك؛ وبمطالعة رسائله ومطارحاته تتكشّف صورة ذهنية مختلفة عن مفكر ومؤرخ ودبلوماسي سليلِ أسرةٍ سياسية ومستشار عهودٍ جمهوريةٍ إيطالية ورمز للوحدة القومية هناك، عاش مهتماً بجوانب أخلاقية كثيرة، ويحثّ على اكتساب المناقب والتخلي عن عارِ معايب لا تحفظ الدولة. كما يمقت آثام الخيانة والقتل قائلاً: «إن سهلت هذه الآثام نيل الملك، فإنها لا تنيل صاحبها مجداً»... أي إنه ضد البطش وما يحض عليه كما فهم البطاشون وبطشوا باسم «المكيافيللية»!
لكنه يبرر إمكانية خلف بعض الوعود إذا كان تحقيقها جالباً للضرر العام.
ومما «تواتسوه» تجديفاً
ارسال الخبر الى: