مسمار جحا الأقليات والخطاب الدولي
مع سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ارتفعت وتيرة الحديث عن المخاطر التي تتعرض لها الأقليات في الشرق الأوسط، وجاء «الأوصياء» ليلقوا دروسهم، بل وتهديداتهم، إذا لم يتم احترام حقوق الأقليات الدينية والعرقية التي يراد تكريس «أقليتها» من أجل إبقائها مكونات منفصمة عن شعوبها، وعن سياقاتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية والجغرافية التي تدمجها ضمن نسيج واحد، ومن أجل إبقاء شعوب المنطقة منقسمة على نفسها بين «أقلية مضطهَدة» و«أغلبية مضطهِدة» رغم أن تاريخ المنطقة المعاصر كان تاريخاً من اضطهاد الأغلبية على يد الأقليات، سواء كانت تلك الأقلية سياسية أم عرق/طائفية.
الأهداف معروفة، والقصة قديمة، وقد باع جحا ـ يوماً ـ بيتاً، وشمل عقد البيع ملكية المشتري للبيت كله، ما عدا مسماراً صغيراً ظل في ملكية جحا الذي كان يأتي لتفقد المسمار كل يوم، ويشارك المالك الجديد طعامه وشرابه ومناسباته كلها، الأمر الذي دفع المالك لترك البيت لجحا الذي سيطر على البيت، أو على الوطن بالاصطلاح الحديث، بذريعة وجود هذا المسمار الذي أصبح اسمه «أقلية» وهي التسمية التي تستثير المظلومية والتعاطف والتسييس والمتاجرة.
ويحدثنا التاريخ عن غزو الصليبيين للشرق العربي، أو «بلاد السمن والعسل» باسم حماية «خراف المسيح» وتطهير «الأراضي المقدسة من دنس المسلمين الكفار» تماما، كما احتل المستعمر الأوروبي الحديث بلداناً عربية ومسلمة، بذريعة حماية «الأقلية المسيحية» مما يقول إنه لحق بها من ظلم من طرف «الأغلبية المسلمة».
ويمكن الاسترسال في ذكر ما لا يحصى من شواهد، ولكن النموذج الأبرز في التاريخ المعاصر هو ما رأينا من سيطرة إيرانية ـ عبر ميليشيات «تحالف الأقليات» ـ على بلدان وعواصم عربية، بذريعة «حماية الشيعة والمراقد المقدسة» وهو مسمار جحا إيراني تمكنت طهران ـ بفعله ـ من إحداث خراب واسع: طائفياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً في بلدان المشرق العربي، وكأننا أمام تكرار لتاريخ يعيد نفسه بشكل حرفي، رغم اختلاف الزمان والظروف والشخوص.
ورغم أن اضطهاد الأقلية للأغلبية هو السائد، إلا أن المشهد يتم تصديره على هيئة اضطهاد الأغلبية للأقلية، كما هو ملحوظ في سوريا الأسد ولبنان
ارسال الخبر الى: