مساهمة في الكراهية
تكاد تكون الكراهية سمة متكررة في مجتمعات كثيرة خرجت من حروب أهلية أو أنظمة استبدادية أو احتلالات طويلة. ما يختلف هو الدرجة والأشكال التي تتخذها. وربما من السهل في هذا الزمن القول إن السوريين مرضى بالكراهية، لكن ليس من النزاهة تبريرها. الكراهية ليست صفة ثابتة، بل هي حالة اجتماعية وسياسية يمكن أن تتفاقم في ظروف معينة، ويمكن أيضاً أن تتراجع إذا تغيرت تلك الظروف. والتاريخ يقدم أمثلة كثيرة: مجتمعات شهدت اقتتالاً دموياً، وتمكنت بعد سنوات من بناء قدر من التفاهم والسلام، وإن لم تنسَ الماضي.
الحالة السورية لا تشذ عن غيرها، لكنها تشكل حالة من الحالات القصوى، فمعاناة نصف قرن، وما نشأ عنها، تؤهل الأطراف لتبادل الكراهية في أجواء ملتبسة مشحونة بالغضب، وليس من المبكر محاسبة السلطة على عدم إنجازها ما عليها من مهام إحداها السلم الأهلي، ما يعني استبعاد الكراهية من جدول الأمان الاجتماعي، الذي لن يتوفر بقرار ولا بمرسوم، وإنما بعدالة باتت مطلوبة. إن الكراهية التي انفجرت بعد التحرير، لم تولد في الواقع بتلك اللحظة، بل خرجت إلى العلن بعدما زالت قيود كانت تكبتها، تراكمت خلال العقود الماضية.
إن السياسة التي انتهجت في نظام الاستبداد، وقامت على إدارتها وتسويقها وترسيخها الأجهزة الأمنية، جعلت السوريين أعداء بعضهم البعض. فالعداوة لم تهبط من فضاءات مجهولة، كانت سياسة تقوم على زرع الشك بين الناس، بحيث يصبح الجار يخشى جاره، والموظف يراقب زميله. وكان من أسباب تسهيلها غياب الحياة السياسية الطبيعية، ما حوّل الخلافات إلى خصومات شخصية لا إلى تنافس في الأفكار كما أن الحرب نفسها، بما خلفته من ضحايا وفقدان ونزوح وإحساس عميق بالظلم، قد ولدت الرغبة في تحميل كل طرف، الطرف الآخر مسؤولية كل شيء.
بعد إسقاط النظام، وعقب قمع مديد منع التعبير الحر، سنحت الفرصة لإطلاق الانفعالات دفعة واحدة، أحدها الكراهية المختزنة في النفوس، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشارها، بما تمثله من إثارة أكثر مما تنتهج الأمانة؛ وإذا كانت حقيقية فالمبالغة تواتيها، كما لبت الإشاعات نوازع مستترة،
ارسال الخبر الى: