مذكرات وجع عادي
من المبكر دائمًا أن يكتب الإنسان مذكراته، هكذا يقولون لنا بطريقة غير مباشرة، كأن الحكايات تحتاج أولًا إلى شهرة أو منصب أو تجربة سياسية كبرى حتى تصبح صالحة للنشر، وكأن من يكتب يجب أن يكون بحجم هنري كيسنجر أو ديك تشيني، أو إعلاميًّا معروفًا مثل باربرا والترز ومحمد حسنين هيكل، أو شخصية ملهمة مثل تمبل غراندين.
أما نحن، الناس العاديين، فمن المفترض أن نعيش أوجاعنا بصمت، أن نركض ونتعب وننهار ثم نكمل حياتنا وكأن شيئًا لم يكن.
لكن لو سألني أحد اليوم: ماذا ستكتبين لو بدأتِ مذكّراتك؟
فسأقول ببساطة: سأكتب عن سام. ليس لأن ابني حالة مختلفة، بل لأن المجتمع من حوله كان أكثر قسوة من أي تشخيص.
خلال السنوات الماضية، اكتشفت أن التعب الحقيقي ليس مع الطفل، بل مع الناس: مع المدارس التي تخاف الاختلاف، والمراكز التي تتعامل مع الأهالي كأنهم أجهزة صرّاف آلي، والدولة التي تتحدث كثيرًا عن الحقوق والرحمة، بينما تترك الأمهات يواجهن كل شيء وحدهن.
ثلاث سنوات من الركض بين جلسات ومدارس وتقارير وأطباء وانتظار وقلق دائم. ثلاث سنوات وأنا أتعلم كيف يمكن لجملة واحدة أن تكسر أمًّا بالكامل.
ابنك لن يصل، قالتها مسؤولة في أحد المراكز بكل برود. يومها لم أغضب فقط، بل شعرت بإهانة عميقة. من أعطى أحدًا الحق في أن يقرر مستقبل طفل؟ ومن منحهم هذه السلطة على قلوب الأمهات؟
وفي مدرسة أخرى، قيل لي إن وضع سام لا يمكن قبوله، رغم أن المدرسة نفسها يُفترض أنها مخصصة للأطفال الذين يحتاجون إلى دعم إضافيّ. هناك فهمت شيئًا مهمًّا: كثير من المؤسسات تتحدث عن الإدماج والإنسانية في الإعلانات فقط، أما على أرض الواقع فهي تخاف أي طفل يحتاج إلى صبر حقيقيّ.
تعلمت أيضًا أن النساء يُستضعفن غالبًا من خلال أطفالهن، وأن المال يفتح الأبواب أسرع من أي حق، وأن اللاجئ والمرأة وأم الطفل المختلف عليهن دائمًا أن يبذلن جهدًا مضاعفًا فقط للحصول على أبسط الحقوق.
ومع ذلك، كنا نعود كل مرة ونبدأ من جديد،
ارسال الخبر الى: