في مديح السرعة
بعد عودتها من المدرسة، لجأت إليّ صوفي، ابنتي ذات الأعوام العشرة، لأُسمع لها قصة الأرنب والسلحفاة المشهورة التي تعلموها في المدرسة. تقرأ صوفي الحكاية بفرنسية طليقة أحسدها عليها؛ فرغم إتقاني لهذه اللغة، فإن لكنة الأجنبي تظل حاضرة لدي.
اختتمت صوفي قراءتها الشعرية المعبرة بالإشارة إلى المؤلف، الشاعر الفرنسي جان دو لا فونتين، فسجلت أول اعتراض بالإشارة إلى أن القصة ليست، في الأصل، للا فونتين، حتى وإن نُسبت إليه؛ فهي تعود أساساً إلى الكاتب الإغريقي إيسوب، الذي كتبها نثراً على هيئة حكاية قصيرة، بينما حوّلها لافونتين، لاحقاً، إلى قصة شعرية جميلة.
ثم سألت ابنتي: وما رأيك أنتِ في القصة؟
فأجابت بأن مغزاها واضح، وهو نبذ الكسل والغرور كما كان حال الأرنب، وعلى النقيض، الحث على العمل والصبر والمواظبة للوصول إلى الهدف، كما هو حال السلحفاة.
وهنا سجلت اعتراضاً ثانياً، لإفساح المجال أمام قراءة مختلفة تسمح للنص بأن ينتج معنى آخر يتجاوز ما يريده المؤلف، بل قد يذهب في اتجاه مختلف، أو حتى إلى النقيض أو المقابل.
فقلت لها: أعتقد أن لافونتين وإيسوب لم يقولا الحقيقة، فكيف يمكن للأرنب السريع أن يُهزم في سباق أمام السلحفاة البطيئة؟
فأعادت عليّ صوفي جميع الأسباب: ثقة الأرنب المفرطة بسرعته، وحتمية انتصاره على السلحفاة، واستسلامه للكسل والنوم، في حين واظبت السلحفاة على السير ولم تستسلم، حتى وصلت وفازت.
قلت لها: لكن لدي قراءة ثانية للحكاية.
فقالت لي: وما هي حكايتك يا سيد فيلسوف؟
قلت لها: إن الأرنب هو من انسحب من السباق ورفض المشاركة فيه منذ انطلاقه، بعدما أدرك عبثية هذا السباق، بل إنه لام نفسه على الاشتراك فيه. فكيف له، وهو المعروف للقاصي والداني بسرعته، أن يسابق سلحفاة معروفة للجميع ببطئها الشديد؟ من سيحتفل بنصره الأكيد؟ ومن سيصفق له عند وصوله السريع إلى خط النهاية؟
الأرنب هو من انسحب من السباق ورفض المشاركة فيه منذ انطلاقه، بعدما أدرك عبثية هذا السباق، بل إنه لام نفسه على الاشتراك فيه
ثم أضفت: إن الأرنب قرر، احتراماً لنفسه،
ارسال الخبر الى: