محمد من المرعى إلى المشهد العالمي

لم يُكتب عن أحد من الناس ما كتب عن نبي الإسلام عليه السلام، كل مراحل حياته سُجلت، وتم نقل كل حالاته وجميع أوضاعه: علاقاته الأسرية، والاجتماعية والسياسية، حروبه ومعاركه، أسفاره وتنقلاته، نومه ويقظته، أكله وشربه، صلاته ونسكه، انتصاراته وانكساراته، ضحكه وبكاؤه، حتى وهو في غرفة نومه تم نقل حالاته، ومع كل تلك الأسفار الضخمة التي سجلت كل مراحل حياته، إلا أن سيرته كانت مضرب المثل لرجل كرس حياته كلها لما آمن به من رسالة، وكان إيمانه العجيب بها باعثاً لإعجاب الخصم قبل الصديق.
يتيم فقير، راعي غنم بسيط، يحلب الشاة، ويخصف النعل، وينقل الحطب لسيدات مكة، ويساعد في أعمال المنزل. لم يكن من شيوخ القبيلة، ولا كبرائها أو أصحاب الثروات، بل ورد القرآن الكريم اعتراض قومه على نبوته لأنه لم يكن من عظماء القريتين، حسب المعايير المادية: وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، وورد: ووجدك عائلاً فأغنى، ومع ذلك لم تمض إلا سنوات معدودة حتى كان يتراسل مع كسرى وقيصر وملوك وحكام العالم القديم، وبعدها وصلت جيوشه الشام وأطراف العراق، ولم تمض إلا عقود قليلة حتى دخلت جيوشه إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا غرباً، ودخلت حدود الصين في الشرق، فيما يشبه المعجزة.
ثم إن المعجزة ليست مجرد الفتح العسكري ، فالمغول - مثلاً - فتحوا بلداناً واسعة في فترات قياسية، ولكن فتحهم اندثر لينكفئوا إلى صحاراهم، عدا أولئك الذين أسلموا وحكموا القارة الهندية. معجزة النبي تكمن في فتحه الروحي، إذ أن معظم الأقاليم التي دخلها دينه ظلت عليه إلى اليوم، بل إن أكبر بلدان العالم الإسلامي في شرق آسيا دخلها دينه دون جيوش.
وكان لا بد لرسالته، ولفتحه أن يدوم، لأنه عندما بلغ أوج قوته صام عن الدنيا، ولم ينغمس فيها كما فعل معظم من وصل إلى السلطة والثروة عبر التاريخ، بل إنه وهو الذي توسعت سيطرته ظل يلاعب الأطفال في أزقة مدينته، ويطعم الجياع، ويكون آخر من يشرب من العطشى، وكان يتعهد الأرامل، ويذهب إلى الحقول،
ارسال الخبر الى: