ماريا لبنان في حقيبة الجدة
وصلت إلى مدينة ميديلين وطفقت أُجرجر أذيالي بحاراتها الغارقة في أنغام السحر اللاتيني الأمازوني. عُرف عنها أنّها حسناء كولومبيا المُهابة. وعند تجوالي في حناياها الدفينة، كما هي حال تجوالي في كثير من مدن العالم، أدرك، أيّما إدراك، أنّ الحكايات الحقّة قد تبدأ بأماكن لا نتوقّعها البتة.
أولًا، في فندق لم تخطّط ماريا للعمل فيه، ولا أنا لقضاء بضعة أيّام به. بين الإفطار وساعات اليوم المُترامية، ومن حديث عابر مع امرأة لا أعرف عنها شيئًا، اكتشفت بعد لحظات أنّ ما ظننته عابرًا ليس عابرًا على الإطلاق، وأنّ وراء الوجه الذي مرّ أمامي حكاية كاملة، وربّما وراء الاسم وحده طريق يمتدّ من قارة إلى قارة، ومن جيل إلى جيل.
اعتدت في زيارات سابقة لميديلين أن أنزل في فندق في حي لاورليرس الهادئ، لكنّني غيّرت المكان هذه المرّة. وهناك التقيت ماريا. كانت شابة سمراء جميلة، متوسّطة الطول، مجدولة الشعر، يفتر عن فيها ابتسامة مُشرقة تسحرك من أوّل وهلة. ها هي ماريا، شابة فنزويلية في ريعان شبابها، هجرت بلدها ناشدةً لقمة العيش الشريف هاهنا في كولومبيا.
بعض الأسئلة لا تجد جوابها في اللحظة نفسها. تترك السؤال في مكان ما، ثم تعود الحكاية إليك بعد أيّام
تحدّثنا قليلًا عن الحياة والعمل والأسرة، وعن فنزويلا وكولومبيا، ثم قالت لي، في سياق الحديث، إنّ جدتها لبنانية الأصل، وإنّها هاجرت من لبنان إلى فنزويلا، حيث استقرّت وبدأت حياة جديدة.
أخرجت لي ماريا بطاقتها الشخصية، فوقع بصري على اسمها: ماريا محمد سالم.
توقفت لحظة أمام الاسم: محمد سالم!
نطقتها ماريا سالن، على السليقة اللاتينية.
قلت في نفسي: يا إلهي، اسم عربي قطع كلّ هذه المسافة، حتى وصل إلى امرأة فنزويلية تعيش اليوم في كولومبيا!
لم يكن لديّ وقت كاف يومها لأطرح عليها كلّ الأسئلة التي خطرت ببالي. من أين جاء الاسم تحديدًا؟ وكيف بقي الاسم العربي حاضرًا بعد كلّ هذه الأجيال؟ وما الذي بقي في الأسرة من حكاية الجدة اللبنانية التي تزوّجت من رجل فنزويلي، جدها؟ وهل هي على
ارسال الخبر الى: