ماتيس والفن الإسلامي من فضول استشراقي إلى مرجع للحداثة الأوروبية

75 مشاهدة
يتواصل في متحف القصر الكبير في باريس معرض للفنان الفرنسي هنري ماتيس 1869 1954 ويحتوي أعمالا أنجزها هذا الفنان في سنواته الأخيرة منذ مطلع أربعينيات القرن العشرين حتى وفاته وجيء بها من متاحف عدة في العالم يضم المعرض الذي افتتح يوم 24 مارس آذار 300 عمل تتوزع بين لوحات ورسوم وكتب فنية ومطبوعات إضافة إلى عشرات القصاصات الورقية الملونة بالغواش وبعضها يعرض ضمن مجموعات منفصلة للمرة الأولى ومنها أعمال تحمل العناوين التالية العاريات الزرق الباقة أوقيانيا السماء والبحر والداخل الأحمر الكبير ونشهد في هذه الأعمال خلاصة ما وصل إليه ماتيس حين اقترب مما يشبه الأرابيسك النهائي الرسم بالمقص الذي بلغ عبره الفنان أعلى درجة من التبسيط وقوة الخط واللون الصافي تقتضي الإشارة إلى أن ماتيس لجأ إلى الرسم بالمقص بعد nbsp أن أصيب بالمرض عام 1941 وعندما لم يعد قادرا على الوقوف لوقت طويل ولا على التحكم بالفرشاة لكن المقص لم يبق مجرد تعويض بل تحول إلى أداة رؤية جديدة nbsp يختصر هذا المعرض تجربة ماتيس التي تعد واحدة من أبرز تجارب الفن الحديث وأكثرها جرأة وهذه التجربة لا تنحصر في توجهات المدارس الفنية الغربية التي سادت حتى نهاية القرن التاسع عشر بل انفتحت على فنون الشعوب الأخرى لا سيما الفنون العربية والإسلامية التي استلهم منها الفنان وفتح من خلالها أفقا جديدا لمسيرته الفنية التأثر في هذا السياق ليس اقتباسا شكليا بل استيعاب للمنطق الداخلي لتلك الفنون nbsp حين سافر ماتيس إلى طنجة بين 1912 و1913 لم يكن يبحث عن موضوعات جديدة فحسب بل عن رؤية فنية مختلفة هناك اكتشف الضوء بوصفه مادة قائمة بذاتها وعبر عن ذلك بعبارته الشهيرة الضوء في المغرب كشف لي كل شيء كما انبهر بالزخارف والأقمشة والعمارة الإسلامية من هنا دخل الشرق في تجربته بما هي حالة حسية مباشرة ولم يعد بالنسبة إليه موضوعا أو ديكورا بل أصبح لغة داخلية وطريقة في التفكير في الفن الإسلامي لا وجود لمنظور غربي تقليدي بل سطح ممتد هكذا رأى ماتيس كيف يمكن للسطح أن يكون مسطحا وزاخرا في آن وكيف تتجاور الأشكال بدون عمق وهمي مع تحرر كامل من تمثيل الواقع وهذا ما يبرز جليا في القصاصات المعروضة الآن في العاصمة الفرنسية والتي بدت كأنها عرس ألوان وهي محصلة تجربة عميقة وما نراه فيها ليس قطيعة مع الماضي بل صدى بعيد لطنجة واختزال لنظرته إلى فنون الرقش والتوريق والزليج وترجمة حديثة لروح الفن الإسلامي وإذا كان ماتيس قد عاد في آخر حياته إلى روح الشرق فليس ليسافر إليه من جديد بل ليستحضره في داخله nbsp وقد لخص الفنان تجربته في طنجة بعبارة أصبحت مفتاحا لفهم تحوله العميق في طنجة وجدت المناظر الطبيعية كما هي كما هي حقا بدون زخرفة وبدون تحوير هذه الجملة البسيطة في ظاهرها تحمل انقلابا في الرؤية فهو لم يعد يبحث عن إعادة تشكيل العالم بل عن رؤيته في صفائه الأول وأدرك أن ما كان يسميه الغرب أرابيسك هو في الحقيقة نظام آخر وطريقة تحسس أخرى للعالم وهذا ما أدركه في القرن التاسع عشر الشاعر الفرنسي شارل بودلير حين قال الرسم الأرابيسكي هو الأكثر روحانية لأنه تحرر من عبودية الموضوع ولا يقصد بودلير بـالرسم الأرابيسكي مجرد الزخرفة التقليدية بل يشير إلى أسلوب يبتعد عن النقل الحرفي للواقع وعن التخلص من الحكاية والوصف إنه تعبير فني يتجه نحو الروح بدل الاكتفاء بالمحاكاة لذلك يعتبره روحانيا وهو الأكثر صفاء من حيث كونه فنا خالصا لأنه يعبر عن الاندفاع الداخلي والخيال الشعري لا عن العالم المرئي فقط وهذا ما يختصر علاقة ماتيس به ولا بد من التوضيح أن فن التوريق يعتمد على أشكال نباتية متحولة أوراق أغصان تنمو وتتفرع في إيقاع مستمر أما الأرابيسك العربسة فهو نظام زخرفي شامل يقوم على التكرار والإيقاع وقد يجمع بين النباتي والهندسي وهندسته مفتوحة على فضاء لا حدود له من هذا الفضاء تعلم ماتيس كيف يترك الشكل ينمو لا كيف يرسمه وهكذا انتهى إلى فن يبدو بسيطا في ظاهره لكنه يحمل سر اللانهائي ضمن هذا الأفق تشكلت تجربة ماتيس الجديدة وأعماله المعروضة هي الدليل على ذلك فهو لم يتعلم في المغرب كيف يرسم بل كيف يرى وهذا ما سيظهر لاحقا في لوحاته وقصاصاته الملونة نشير هنا إلى أن الاحتكاك الأول للفنان مع الشرق كان من خلال معرضين أقيما في أوروبا الأول كان المعرض العالمي في باريس عام 1900 حيث عرضت نماذج من الفنون الإسلامية وكان له أثر في تعريف الفنانين الأوروبيين بها والمعرض الثاني أقيم في مدينة ميونخ عام 1903 وكان أكثر تخصصا وعمقا وشكل محطة أساسية في انتقال الفن الإسلامي من مجرد فضول استشراقي إلى مرجع حقيقي داخل الحداثة الأوروبية ويمكن القول إن هذين المعرضين كانا الصدمة الأولى بالنسبة إلى ماتيس أما المغرب فكان التجربة الحية التي أكدت تلك الصدمة وذلك الانبهار nbsp لحظة نضج في مسيرة ماتيس إذ استحال العجز الجسدي طاقة ابتكار في كتاب فصل في الجحيم تحدث رامبو عن الشرق وقال ها هو الشرق والحكمة الأولى والأبدية نسمع في هذه العبارة صدى صوت ماتيس نفسه نداء الشرق هذا دفع عددا من الفنانين الرواد إلى الالتفات إلى الجهة الأخرى للمتوسط في مرحلة كانت أوروبا تبحث عن مرجعيات جديدة وعن مخرج من ثقل الأكاديميات الكلاسيكية وكان ذلك بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبينما بقي أوجين دولاكروا إلى حد كبير داخل منطق التمثيل الفني انتقل فنانون من أمثال ماتيس وبول كلي وكاندنسكي وماندريان من تمثيل العالم إلى كتابة العالم واجتراح نظام بصري قائم بذاته nbsp هكذا انفتح هؤلاء الفنانون على فنون الثقافات الأخرى ومنها الفنون الإسلامية التي نهلوا من فلسفتها الجمالية وكأن الحداثة الفنية في أحد وجوهها كانت محاولة غربية للاقتراب من حكمة شرقية قديمة لكن بلغة جديدة يكشف المعرض عن لحظة نضج استثنائية في مسيرة ماتيس الإبداعية إذ استحال العجز الجسدي إلى طاقة ابتكار وانفتح الفن على أفق إنساني يتجاوز الحدود nbsp

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح