مؤتمر المركز العربي وكوليج دو فرانس الكلمة لم تعد حرة في فرنسا

91 مشاهدة
يروى أن الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري حين أوقفه أحد الضباط الألمان أمام بوابات الكوليج دو فرانس إبان الاحتلال النازي أجابه بثقة وهدوء هذا بيت تمارس فيه الكلمة بحرية يبدو أن مقولة فاليري لم تعد صالحة اليوم إذا ما نظرنا إلى قرار إدارة معهد كوليج دو فرانس التي أعلنت أمس بشكل رسمي عن إلغاء مؤتمر أكاديمي مشترك للجامعة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع باريس كان مقررا عقده يومي 13 و14 من الشهر الجاري تحت عنوان فلسطين وأوروبا ثقل الماضي وديناميات المعاصرة وكشفت مصادر من منظمي المؤتمر لـالعربي الجديد أنهم في صدد بحث نقل جلسات السيمنار العلمي البحثي إلى مكان آخر في العاصمة الفرنسية بدأت القصة مع مقال صدر في المجلة الأسبوعية يمينية الهوى لو بوان يوم الجمعة الماضي بتوقيع إروان سيزنك وإسماعيل البو كوتيرو هاجما فيه المؤتمر بتهم من نوع أنه مؤيد للفلسطينيين ومعاد للصهيونية وللكولونيالية تبعت المقال حملة إعلامية ممنهجة في الصحف والمنابر الفرنسية هاجمت المشاركين في المؤتمر مثل الباحث والأستاذ الجامعي الفرنسي فرانسوا بورغا ووزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان ومشاركين آخرين مثل جوزيب بوريل وعزمي بشارة ومزنة شهابي وغيرهم وإلى جانب هذه الحملة الإعلامية لم تفوت الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية Licra المعروفة بدعمها القوي لإسرائيل في فرنسا فرصة مهاجمة المؤتمر وضيوفه ومحاضريه إذ وصفت الحدث بأنه سيرك مناهض للصهيونية وتشويه لمؤسسة مرموقة وأعلنت المنظمة صراحة أنها ستتواصل مع وزير التعليم العالي لممارسة الضغط الرسمي على الكوليج يبدو أن ضغوط هذه اللوبيات كانت أقوى من قيمة الحرية التي قامت من أجلها الثورة الفرنسية والدليل هو إصدار إدارة كوليج دو فرانس بيانا رسميا وقعه مديرها توماس رومر أعلن فيه إلغاء المؤتمر وهو قرار نادر بالنسبة لمؤسسة لطالما اعتبرت منارة للحرية الفكرية وعلى الرغم من أن إدارة كوليج دو فرانس بررت قرار الإلغاء بسبب الجدل المثار حول الحدث وحرصا على سلامة الأشخاص والممتلكات وضمان حسن سير الفعاليات فإن هذه التبريرات تبدو ضعيفة عند النظر إلى السجل التاريخي للمؤسسة فقد سبق للكلية تنظيم محاضرات ومؤتمرات بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ناقشت موضوعات حساسة تتعلق بالقضية الفلسطينية دون أن يثير ذلك أي قرار بالإلغاء تساؤلات حول حرية النقاش العلمي والفكر داخل مؤسسة عريقة وفاقمت حدة الأمر تغريدة في منصة إكس أيد فيها فيليب باتيست وزير التعليم العالي والبحث العلمي قرار المعهد الجامعي المرموق واصفا إياه بأنه قرار مسؤول تغريدة الوزير أعطت شرعية سياسية للقرار ما أضاف بعدا جديدا للجدل فبدلا من حماية النقاش الأكاديمي وتسهيله يبدو أن أعلى سلطة تعليمية في فرنسا حرضت على تقييد النقاش إلى درجة أن باتيست اعترف في إطار ترحيبه بقرار كوليج دو فرانس بأنه كان على تواصل دائم مع مدير المعهد توماس رومر وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فرنسا قد اعترفت رسميا بالدولة الفلسطينية وهو موقف سياسي وقانوني يضع النقاش الأكاديمي حول فلسطين ضمن الإطار المقبول ويقلص أي حجج محتملة تعتبر هذه الفعاليات تحديا للدولة أو خروجا عن السياسة الرسمية بمعنى آخر النقاش العلمي حول فلسطين لا يتعارض مع موقف فرنسا الرسمي ولا يمكن اعتباره نشاطا سياسيا محظورا فماذا لو لم تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية لا شك أن المشهد كان سيبدو سرياليا إذ كان النقاش الأكاديمي حول فلسطين سيواجه مخاطر أكبر من التدخل السياسي وهذا يعني بدوره أن ما حصل أخيرا لا يعكس قاعدة مؤسسية أو قيدا على الحياد إنه في المقام الأول استجابة لضغوط من لوبيات محددة تجاوزت تأثيرها قدرة المؤسسة على الحفاظ على سياستها المعتادة في الحرية الأكاديمية وفي خضم هذا الجدل أصدر كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في كوليج دو فرانس والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات باريس بيانا مشتركا أعربا فيه عن أسفهما العميق للقرار معتبرين أن رضوخ إدارة الكوليج لضغوط الوزير فيليب باتيست يهدد استقلال مؤسسة عريقة تأسست قبل أكثر من أربعة قرون واحتضنت أبرز رموز الفكر الفرنسي من فوكو إلى بورديو وحذر البيان من أن ما جرى يخلق سابقة خطيرة إذ قد يكفي في المستقبل مقال أو تغريدة سياسية واحدة لفرض رقابة على أي نشاط أكاديمي حساس كما أن تبني الوزارة من دون أي تدقيق أو تمحيص مزاعم صادرة عن وسيلة إعلامية أو عن منظمة مثل ليكرا يطرح سؤالا جوهريا منذ متى أصبح للسلطة السياسية الحق في تحديد ما هو علمي وما ليس كذلك تتقلص مساحة النقاش الحر حول فلسطين وسط توتر الخطاب العام تطرح هذه الواقعة تساؤلات جدية حول مدى قدرة المؤسسات الأكاديمية الكبرى حتى في فرنسا على حماية حرية النقاش العلمي والفكر المستقل أمام تأثير اللوبيات الخارجية وهو ما يمثل تحذيرا لمستقبل الحريات الأكاديمية في أوروبا ويرى كثير من الباحثين والمثقفين في الإلغاء تراجعا مؤلما عن جوهر الحرية الأكاديمية التي تأسس عليها الكوليج منذ القرن السادس عشر في حين رأت بعض المؤسسات مثل الجمعية العلمية لدراسة الشرق الأوسط والعوالم الإسلامية أن هذا القرار يمثل اعتداء خطيرا للغاية وأن ما جرى ليس سوى عرض من أعراض المناخ الفرنسي الراهن حيث تتقلص مساحة النقاش الحر حول فلسطين وسط توتر الخطاب العام وازدياد القلق من أي تعبير يفهم باعتباره انحيازا سياسيا لا شك أن ما يحدث هو انكسار رمزي أخطر حين يصبح بيت الحرية نفسه خائفا من الكلمة فإن معنى الحرية يتبدد من حيث بدأ ربما لو عاد بول فاليري اليوم إلى بوابة كوليج دو فرانس لقال لمديرها الحالي ولوزير التعليم عبارته القديمة بنبرة مختلفة وبشيء من المرارة كان هذا بيتا تمارس فيه الكلمة بحرية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح