رحيل ليونيل جوسبان أحد أبرز وجوه اليسار الفرنسي في العقود الأخيرة
83 مشاهدة
توفي رئيس الوزراء الفرنسي الاشتراكي الأسبق ليونيل جوسبان الذي قاد الحكومة بين عامي 1997 و2002 أول من أمس الأحد عن عمر ناهز 88 عاما ويستعيد هذا الرحيل سيرة أحد أبرز وجوه اليسار الفرنسي في العقود الأخيرة فقد قاد جوسبان فرنسا خلال مرحلة حساسة اتسمت بـالتعايش السياسي مع الرئيس جاك شيراك حيث تقاسم الطرفان السلطة التنفيذية في نموذج معقد من الحكم وخلال تلك السنوات الخمس تمكن جوسبان من فرض رؤية اليسار المتعدد أو اليسار التعددي الذي جمع أطيافا سياسية مختلفة من الاشتراكيين إلى الخضر في محاولة لإعادة صياغة دور اليسار في الحكم ضمن إطار غير ثوري ورغم نجاحه في إدارة التوازنات داخل هذا الائتلاف فإن هذا الإنجاز لم ينعكس شعبيا بالشكل الكافي وبلغت ذروة الإخفاق السياسي لجوسبان في الانتخابات الرئاسية عام 2002 حين تلقى ضربة قاسية بخروجه من الجولة الأولى فقد حل ثالثا خلف جاك شيراك وزعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبان بفارق ضئيل جدا ما أدى إلى إقصائه من السباق وكانت تلك النتيجة بمثابة زلزال سياسي امتدت ارتداداته إلى أوروبا بأكملها إذ كشفت عن تصاعد التيارات اليمينية وتراجع قدرة اليسار التقليدي على تعبئة الناخبين وأعلن جوسبان في الليلة نفسها انسحابه النهائي من الحياة السياسية وينحدر جوسبان من عائلة بروتستانتية وكان أحد أعمدة الحزب الاشتراكي خلال حقبة الرئيس فرانسوا ميتران حيث شغل منصب وزير التربية والتعليم غير أن مسيرته الفكرية بدأت من موقع مختلف تماما إذ تأثر في شبابه بأفكار التروتسكية وكان ناشطا في صفوف اليسار قبل أن ينتقل إلى الحزب الاشتراكي ويعيد صياغة هويته السياسية هذا التحول يعكس مسارا معقدا داخل اليسار الفرنسي بين النزعة الثورية والرغبة في الحكم ضمن قواعد النظام وفي المقارنة مع معاصره ميشيل روكار يظهر جوسبان كوجه آخر لما سمي بـمأساة الاشتراكية الديمقراطية في فرنسا فبينما عرف روكار ببراغماتيته وسعيه إلى التوفيق بين الدولة والاقتصاد جاء جوسبان محملا بإرث أيديولوجي أكثر صرامة لكنه حاول بدوره التكيف مع متطلبات الحكم وفي نهاية المطاف انتهى الرجلان إلى مصير سياسي متشابه حيث اصطدما بحدود المشروع الإصلاحي في مجتمع يميل دوريا إلى التحولات الحادة وتكشف حادثة بابي فواز Papy Voise عن واحدة من أبرز لحظات العجز السياسي لدى جوسبان ففي 18 إبريل نيسان 2002 تعرض مسن لاعتداء في منزله بمدينة أورليان وسرعان ما تحولت الحادثة إلى قضية سياسية استثمرها اليمين المتطرف لتسليط الضوء على ملف الأمن والهجرة في المقابل بدا جوسبان عاجزا عن التقاط التحول في المزاج العام إذ استمر في حملته الانتخابية متجاهلا المخاوف المتزايدة لدى الناخبين وكانت تلك الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي أحد العوامل الحاسمة في هزيمته وعاد جوسبان إلى الحياة العامة في مرحلة لاحقة من خلال عضويته في المجلس الدستوري بين عامي 2015 و2019 إلا أن حضوره السياسي بقي محكوما بذاكرة إخفاق 2002 وقد تحولت تلك التجربة إلى ما يشبه الظاهرة أو المتلازمة التي تشير إلى عجز اليسار الاجتماعي الديمقراطي عن بناء أغلبية سياسية مستقرة في ظل صعود اليمين وتزايد الانقسامات داخل المعسكر التقدمي nbsp كما أن بعض إصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية وعلى رأسها تقليص أسبوع العمل إلى 35 ساعة عادت لتطرح كموضع جدل خصوصا في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها فرنسا مثل تراجع الصناعة وارتفاع معدلات البطالة وهجرة الوظائف وقد اعتبر ذلك دليلا على الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي رحل جوسبان في وقت ما يزال فيه الحزب الاشتراكي يحتفظ ببعض قوته خاصة في المدن الكبرى مثل باريس غير أن مستقبله الوطني يبقى موضع تساؤل فالإرث الذي تركه جوسبان لا يتمثل فقط في إنجازاته الحكومية بل أيضا في الدروس التي يقدمها حول حدود السياسة العقلانية في غياب البعد العاطفي nbsp فقد كان في نهاية المطاف رجل دولة كفؤا ومنضبطا لكنه أخفق في إدراك أن السياسة في جوهرها ليست مجرد إدارة للملفات بل علاقة إنسانية تقوم على الثقة والتواصل والقدرة على الإلهام فرانس برس رويترز العربي الجديد