القعقاع سقط في البركان لكن من أسقطه أولا
95 مشاهدة

لم يمت الشاب اليمني الملقب بـالقعقاع يوم سقط في فوهة البركان، بل ربما بدأت رحلته مع السقوط منذ سنوات طويلة، حين سقطت الدولة، وسقط الاقتصاد، وسقطت فرص العمل، وسقطت الأحلام الصغيرة التي تجعل الإنسان يبحث عن الحياة بدلاً من تحدي الموت.
رحل القعقاع وهو يفعل ما اعتاد عليه مراراً: النزول إلى قاع فوهة بركانية مرعبة، حيث المياه الكبريتية الحارة والصخور الحادة والموت المتربص في كل خطوة. وبينما انشغل كثيرون بعد الحادثة بالسؤال الفقهي: هل ألقى بنفسه إلى التهلكة أم لا؟ غاب السؤال الأهم: لماذا وصل شاب يمني إلى مرحلة يجعل فيها النزول إلى قاع بركان مصدراً للدخل؟
في الدول الطبيعية يتسابق الشباب إلى الجامعات والمختبرات والشركات والمصانع. أما في اليمن، فقد أصبح بعض الشباب يتسابقون إلى حواف البراكين والجبال والبحار والمخاطر، لأن الوظائف اختفت، والاستثمار هرب، والدولة تحولت إلى ذكرى، والاقتصاد إلى مريض على أجهزة الإنعاش منذ سنوات.
القعقاع لم يكن ينزل إلى البركان ليكتشف علاجاً للسرطان، ولا ليقود بعثة علمية، ولا لينقذ عالقين. كان ينزل ليكتب أسماء الزوار وذكرياتهم مقابل مبالغ بسيطة. تخيل حجم المأساة حين يصبح الإنسان مستعداً لمواجهة الموت من أجل ما لا يكفي ثمن وجبة طعام لعائلة صغيرة.
الأكثر غرابة أن المجتمع نفسه الذي صفق له بالأمس بوصفه شجاعاً ومغامراً، عاد اليوم ليحاكمه بعد وفاته بتهمة التهور. وكأننا شعب يعشق صناعة الأبطال أثناء حياتهم، ثم يتحول إلى قاضٍ بعد موتهم.
سياسياً، تكشف الحادثة حجم الفجوة بين السلطة والمجتمع. فبينما تتبادل النخب البيانات والخطب والمؤتمرات واللقاءات في الفنادق المكيفة، كان شاب يمني يهبط إلى قاع بركان ليحصل على ما يعادل قيمة فنجان قهوة في بعض عواصم العالم. هناك من يناقش إعادة بناء الدولة، وهنا من يحاول إعادة بناء يومه فقط.
اقتصادياً، القعقاع ليس حالة فردية. إنه صورة مصغرة لاقتصاد كامل يقوم على المخاطرة واليأس. صياد يواجه البحر بقارب متهالك، وسائق يسلك طرقاً مدمرة، وعامل يصعد مباني بلا وسائل سلامة، وشاب يهبط إلى بركان. الجميع يعمل في منطقة
ارسال الخبر الى: