لاسقري الصومالية بوابة استراتيجية نحو خليج عدن والبحر الأحمر
31 مشاهدة
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي وتحديدا في سياق العقود الدفاعية والتنموية الأخيرة التي أبرمتها دولة الصومال مع عدد من القوى الإقليمية والدولية برزت أنباء شبه مؤكدة تشير إلى أن مدينة لاسقري الصومالية هي مرشح رئيسي لإقامة قاعدة بحرية عسكرية تركية تهدف لتأمين خليج عدن والبحر الأحمر وتندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية تركية شاملة تسعى لتعزيز نفوذ أنقرة في هذه المنطقة الحيوية والمنافسة مع قوى دولية أخرى تسعى لموطئ قدم في هذا الممر المائي الهام وهنا يجب تسليط الضوء على المميزات الاستراتيجية لمدينة لاسقري وما تتمتع به من رافعات اقتصادية تؤهلها للفوز بهذه الفرصة الاستثمارية والدفاعية الكبرى تعد مدينة لاسقري Laasqoray جوهرة تاريخية عريقة تقع على الساحل الشمالي لمحافظة سناج Sanaag في الصومال وهي ليست مجرد مدينة ساحلية هادئة بل تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية تطل مباشرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم وتشتهر المدينة بكونها العاصمة التاريخية القديمة لسلطنة قبيلة ورسنجلي الصومالية nbsp جغرافيا تقع لاسقري في شمال شرق الصومال على ساحل خليج عدن وتحيط بها تضاريس متنوعة تجمع بين الساحل الممتد والجبال الشاهقة إذ تعرف المنطقة بوجود سلاسل جبلية قريبة منها وتحديدا قسم علمدو من جبال غولس مما يمنحها طبيعة جغرافية فريدة تجمع بين الانفتاح البحري والتحصين الجبلي كما تتمتع مدينة لاسقري بموقع فريد يجعلها تشرف بصورة مباشرة وحيوية على خليج عدن ما يمنحها أهمية تتجاوز حدودها المحلية لتصبح رقما صعبا في معادلة الأمن والاستراتيجية الخاصة بمنطقة البحر الأحمر وتتجلى هذه الأهمية في موقعها الوسطي الذي يربط بين الموانئ الرئيسية في جنوب وشمال الصومال مثل مقديشو وبربرا وبين الممرات الملاحية الدولية يمنح هذا الموقع المدينة ميزة كونها نقطة مراقبة طبيعية تشرف على السفن العابرة من وإلى مضيق باب المندب الذي يعد الشريان الحيوي لربط التجارة بين الشرق والغرب كما أن تضاريسها التي تجمع بين الساحل والجبال القريبة تجعلها منفذا طبيعيا يربط العمق الأفريقي بالأسواق العالمية ما يسهل حركة البضائع والمنتجات القادمة من الداخل الصومالي وتتعزز هذه الأهمية بكون لاسقري تتبع إداريا لولاية شمال شرق الصومال المتميزة بثروة حيوانية هائلة تقدر بعشرات الملايين من الرؤوس من إبل وأغنام وماعز وأبقار والتي تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي ومن المتوقع أن تستعيد لاسقري دورها الذي لعبته في ثمانينيات القرن الماضي منفذا رئيسيا لتصدير المواشي إلى دول الخليج العربي وخاصة السعودية المكانة العسكرية والأمن البحري لا يمكن فصل أهمية لاسقري عن الصراع الدولي المحتدم على النفوذ في منطقة البحر الأحمر فمن الناحية الأمنية تمثل المدينة فرصة مثالية لإنشاء قاعدة متقدمة لعمليات مكافحة القرصنة وتأمين خطوط الملاحة الدولية نظرا لقربها الشديد من مسارات السفن التجارية وناقلات النفط كما أنها توفر عمقا دفاعيا استراتيجيا في ظل التوترات المتزايدة في مضيق باب المندب إذ تبرز بديلا استراتيجيا أو نقطة دعم لوجستي متقدمة في خليج عدن وموقع مدينة لاسقري يعد امتدادا استراتيجيا وحزاما أمنيا حيويا للوطن العربي نظرا لإشرافها المباشر على خليج عدن والمحيط الهندي ما يربط أمنها على نحو وثيق باستقرار منطقة الشرق الأوسط اقتصاديا تزخر مدينة لاسقري ومحيطها بمقومات اقتصادية هائلة تتجاوز موقعها الجغرافي لتشمل موارد طبيعية متنوعة مما يعزز من قيمتها الاستثمارية وتشتهر محافظة سناج بكونها منطقة واعدة وغنية بالمعادن وتحديدا الذهب الذي يتركز في مناطق قريبة من لاسقري مثل ملحو Milxo وشندن Shidan إضافة إلى ذلك توجد كميات هائلة من المعادن النادرة في جبال علمدو المطلة على المدينة وتشير الأبحاث والتقارير الجيولوجية إلى وجود كميات اقتصادية كبيرة من الذهب في عروق الجبال والصخور بالإضافة إلى مؤشرات قوية على وجود النحاس ومعادن نادرة أخرى في الإقليم ورغم أن معظم أعمال التنقيب الحالية تقتصر على الذهب السطحي إلا أن التوقعات تشير إلى إنتاجية عالية جدا في حال جرى استخدام تقنيات حفر وتعدين متطورة بفضل سواحلها الغنية تمتلك المدينة إمكانات اقتصادية هائلة في قطاع الصيد البحري مما يؤهلها لتكون مركزا إقليميا لصناعات صيد وتعليب وتصدير الأسماك وهو ما سيعزز الاستقرار الاقتصادي للمنطقة المطلة على البحر الأحمر علما بأنه قد جرى إنشاء مصنعين لتعليب الأسماك في المدينة سابقا مما يدل على جدوى هذا القطاع وإلى جانب الثروة السمكية يوجد بالقرب من مدينة لاسقري حقل نفطي غير مطور يعرف بحقل جيلويتو Geelweyto والذي تشير التقديرات وتصريحات لمسؤولين نفطيين سابقين إلى احتوائه على احتياطيات عالية تقدر بمليارات البراميل مما يمنح المنطقة قيمة اقتصادية استراتيجية عالية جدا في سوق الطاقة تاريخيا تحمل لاسقري إرثا تاريخيا واجتماعيا عميقا يعزز من مكانتها الحالية فقد كانت قديما عاصمة لسلطنة ورسنجلي ومركزا تجاريا محوريا يربط بين شبه الجزيرة العربية والهند وأفريقيا ولعبت المدينة دور الجسر للتواصل العربي الصومالي إذ امتزج الدم العربي بالتراب الصومالي عبر تاريخ طويل من التجارة ونشر العقيدة الإسلامية مما رسخ انتماء أهالي محافظة سناج والمناطق المجاورة لها للعروبة والإسلام هذا الإرث الحضاري يعزز من القبول الاجتماعي والسياسي لأي تعاون استراتيجي مع المحيط العربي والإسلامي ويجعل من الممكن أن تشكل لاسقري مرة أخرى واجهة حضارية واقتصادية لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ختاما يتضح أن مدينة لاسقري ليست مجرد مرفأ قديم على الخريطة بل هي مفتاح استراتيجي غير مستغل على نحو كامل حتى الآن إن تطوير البنية التحتية لمينائها وتفعيل مقدراتها الاقتصادية قد يحولها إلى قطب اقتصادي وأمني رئيسي يساهم بفعالية في استقرار الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر كما أن تعزيز موقعها واستقرارها سيلعب دورا محوريا في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة مما يجعل الاستثمار فيها فرصة ذات عوائد جيوسياسية واقتصادية بعيدة المدى