كلاب بيبل لا لجدية المعارض الفنية ولا لسلطة التكنولوحيا
72 مشاهدة
في عمله حيوانات عادية يقدم الفنان الأميركي مايك وينكلمان المعروف باسم بيبل Beeple مجموعة من الكلاب الروبوتية المتحركة حملت رؤوس هذه الكلاب ملامح بشرية مألوفة مثل إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ وجيف بيزوس إلى جانب الفنانين الراحلين آندي وارهول وبابلو بيكاسو تتحرك الكلاب بين الزوار ثم تتوقف فجأة لتخرج من مؤخراتها مطبوعات مولدة بالذكاء الاصطناعي تسلم للجمهور يعود العمل نفسه إلى الأضواء من جديد بعد الإعلان عن عرضه خلال أسبوع معارض برلين المستمر حتى العاشر من مايو أيار المقبل داخل فضاء المعرض الوطني الجديد في برلين ذلك الصرح الذي صممه المعماري الحداثي ميس فان دير روهه وكان العمل قد حظي بانتشار واسع منذ عرضه الأول في معرض آرت بازل ميامي بيتش العام الماضي حيث تحول سريعا إلى مادة بصرية قابلة للتداول تصور وتشارك وتعاد صياغتها عبر منصات التواصل لم يكن ذلك مفاجئا فالفنان الذي صنع شهرته عبر عالم الصور الرقمية يعرف جيدا كيف ينتج صورة قابلة للانتشار لكن انتقال العمل من فضاء تجاري صاخب إلى مؤسسة فنية راسخة مثل المعرض الوطني الجديد في برلين حيث يتحول العمل الفني عادة إلى موضوع للتأويل داخل تاريخ الفن يطرح أسئلة مختلفة لم يعد الأمر هنا مجرد عرض لافت أو مثير للضحك فحضور العمل داخل هذا الصرح الفني يجعله جزءا من خطاب مؤسسي يمنحه شرعية جديدة ويعيد تأطيره داخل تاريخ الفن المعاصر هنا يتبدل موقع المتلقي أيضا من زائر يبحث عن تجربة لافتة في معرض فني إلى مشاهد يقف داخل متحف حيث تحمل الأعمال عادة بطبقات من المعنى والتأويل ومع ذلك يحتفظ العمل بخفته الظاهرة وبقدرته على إثارة الضحك أو الدهشة كأنه يقاوم الجدية التي يفرضها المكان ضمن هذا الإطار تبرز مسألة اختيار الوجوه التي تحملها الكلاب لماذا هؤلاء تحديدا عرض توليدي يقوم على لا نهائية الإنتاج وعدم اكتماله إن حضور إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ وجيف بيزوس لا يبدو اعتباطيا فهم يمثلون نماذج مختلفة لسلطة تكنولوجية باتت تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية من وسائل التواصل إلى التجارة إلى استكشاف الفضاء هذه الشخصيات تحولت مع الوقت إلى رموز ثقافية تتابع تصريحاتهم وتناقش قراراتهم وتصاغ حولهم سرديات شبه أسطورية وضع هذه الوجوه على أجساد كلاب روبوتية يخلق مفارقة بصرية حادة بلا شك فالسلطة هنا تختزل وتعاد صياغتها في هيئة كائنات يمكن توجيهها أو حتى السخرية منها لا يسعى العمل إلى السخرية من هذه الشخصيات على ما يبدو بقدر سعيه إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المتلقي وهذه الرموز عبر إزاحتها من موقع الهيبة إلى موقع اللعب أو التناول الساخر إلى جانب ذلك يضيف حضور آندي وارهول وبابلو بيكاسو طبقة أخرى من التعقيد فهذان الاسمان ينتميان إلى تاريخ مختلف حيث كانت السلطة الفنية تبنى داخل الحقل الثقافي نفسه لا خارجه وارهول تحديدا كان قد اشتغل على فكرة تحويل المشاهير إلى صور قابلة للتكرار والاستهلاك بينما ارتبط اسم بيكاسو بفكرة العبقرية الفردية والتجديد المستمر جمع هذه الشخصيات مع رواد التكنولوجيا داخل العمل نفسه يفتح المجال لقراءة تقارن بين نوعين مختلفين من السلطة الأولى سلطة فنية تقليدية كانت تحتاج إلى مؤسسات ثقافية ونقاد ومتاحف لترسيخ حضورها والأخرى سلطة تكنولوجية معاصرة تنبثق من الهيمنة الاقتصادية والإعلامية والتقنية فهل نحن أمام امتداد لهذا التاريخ أم أمام قطيعة معه وهل أصبحت شهرة رجال التكنولوجيا تضاهي أو حتى تتفوق على مكانة الفنانين في المخيال العام في هذا السياق يمكن النظر إلى العمل بوصفه تعليقا على تحول مفهوم الأيقونة لم تعد الأيقونات تنتج داخل إطار الفن فقط بل تصاغ أيضا في فضاءات الاقتصاد الرقمي والإعلام هذه الأيقونات الجديدة تمتلك قدرة هائلة على الانتشار لكنها أيضا عرضة لإعادة التدوير والسخرية هنا يلعب الفنان على هذا التوتر مستفيدا من قابلية هذه الوجوه للتحول إلى صور ثم إلى نماذج ثم إلى كائنات هجينة تجمع بين الإنسان والآلة غير أن العنصر الأكثر إثارة في العمل يظل مرتبطا بآلية الإنتاج نفسها الكلاب هنا تنتج مطبوعات تقدم للجمهور في فعل يبدو للوهلة الأولى طريفا لكنه يحمل دلالات أعمق هذه المطبوعات جزء من العمل نفسه وليست مجرد إهداءات تذكارية منفصلة عنه فهي تنتج داخل العرض وتختلف كل مطبوعة عن الأخرى لأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي الإنتاج هنا لا يأتي نتيجة عملية إبداعية تقليدية بل عبر نظام آلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي الصور الناتجة قد تكون مختلفة في الشكل لكنها تنتمي إلى منطق واحد وهو التوليد المستمر بلا نهاية واضحة في هذا المعنى يتحول العمل إلى نوع من التعليق على فائض الصور الذي يميز عصرنا حيث يمكن إنتاج عدد لا نهائي من الصور خلال وقت قصير هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي لا يبدو محايدا فهو يقدم وسيطا يطرح أسئلة حول طبيعة الإنتاج الفني نفسه ماذا يعني أن تنتج صورة اليوم وما الفرق بين صورة صنعت عبر جهد فردي وأخرى خرجت من نظام توليدي هذه الأسئلة لا تطرح بشكل مباشر بل تترك لتتسلل عبر التجربة نفسها حيث يتلقى الزائر منتجا جاهزا قد يحتفظ به أو يتخلص منه دون أن يعرف بالضبط قيمته أو موقعه إعادة تعريف للإبداع من فعل فردي إلى عملية تنظيم وتوجيه هنا يمكن استحضار تجربة الفنان الأميركي آندي وارهول 1928 1987 مرة أخرى ولكن من زاوية مختلفة وارهول كان قد اشتغل على تكرار الصور وعلى تحويلها إلى سلع بصرية تعكس منطق الاستهلاك لكن التكرار في عمله كان لا يزال مرتبطا بعملية إنتاج مادية وإن كانت ميكانيكية فطباعة الشاشة الحريرية التي استخدمها كانت تتطلب تدخلا بشريا في كل مرحلة من مراحل الإنتاج في المقابل يبدو أن العمل الحالي يدفع هذه الفكرة إلى أقصاها حيث يصبح التكرار لانهائيا والإنتاج منفصلا تقريبا عن الجهد البشري المباشر إذ يتولى نظام الذكاء الاصطناعي توليد الصور بشكل متغير ومستمر إذا كان وارهول قد عكس ثقافة الاستهلاك في زمنه فإن العمل الجديد يعكس مرحلة مختلفة حيث لم تعد المشكلة في استهلاك الصور بل في فائضها هذا الفائض يغير أيضا علاقة الجمهور بالعمل الفني والذي تحول إلى شيء يمكن امتلاكه بسهولة أو حتى تجاهله المطبوعات التي تنتجها الكلاب الروبوتية ليست قطعا فريدة بالمعنى التقليدي الذي يرتبط بالعمل الفني الواحد الأصيل بل هي نسخ متعددة ومتغيرة لا تحمل قيمة مادية كبيرة بالمعنى السوقي التقليدي لكنها تكتسب معناها من التجربة نفسها في هذا الإطار يتحول المتلقي من مشاهد إلى مشارك يأخذ معه جزءا من العمل دون أن يكون هذا الجزء بالضرورة ذا قيمة مستقلة في الوقت نفسه يطرح العمل سؤالا حول دور الفنان في هذا السياق بيبل الذي اشتهر بإنتاج الصور الرقمية يبدو هنا أقل حضورا بوصفه صانع صورة وأكثر حضورا بوصفه مصمما لنظام هو لا ينتج كل صورة على حدة وإنما يضع الشروط التي تسمح بإنتاج عدد لا نهائي من الصور هذا التحول يعيد تعريف فكرة الإبداع نفسها من فعل فردي إلى عملية تنظيم وتوجيه داخل فضاء المعرض يكتسب هذا كله بعدا إضافيا فالمبنى بتصميمه الحداثي الصارم الذي يجمع بين الشفافية والصلابة يوفر خلفية تبدو في تناقض مع طبيعة العمل الساخرة هذا التناقض يستثمر هنا جيدا حيث يتحول البهو إلى مسرح لحركة الكلاب ولتفاعل الجمهور معها في هذا المشهد تختلط عناصر متعددة من العمارة الحديثة والتكنولوجيا المعاصرة والسخرية البصرية إلى الجمهور الذي يتحرك بينها جميعا ومع استمرار حركة الكلاب وتكرار فعل الإنتاج يتشكل إيقاع خاص داخل المكان إيقاع لا يعتمد على سرد واضح بل على تكرار الفعل نفسه كل مرة يتوقف فيها أحد الكلاب لينتج مطبوعة يتجدد المشهد دون أن يتغير جوهريا هذا التكرار لا يبدو مملا بل أقرب إلى عرض مفتوح يمكن الدخول إليه في أي لحظة والخروج منه دون شعور بالاكتمال وهذا الانفتاح وعدم الاكتمال يتناغمان مع طبيعة العمل القائم على التوليد المستمر حيث لا نهاية متوقعة للإنتاج ولا لحظة محددة تشكل خاتمة ضرورية للتجربة