كراس الأستاذ موتزارت بصفحات بيضاء فارغة
بثّت الإذاعة الفرنسية، أخيراً، أداء حيّاً على الهواء لسلسلةٍ من المقطوعات الموسيقية تُقدَّم لأوّل مرّة، مكتوبةٍ لآلة فلوت بمصاحبة آلة هارب، تعود إلى المؤلّف الأشهر على الإطلاق، النمساوي فولفغانغ آماديوس موتزارت (1756 - 1791).
وقد عُثر على المدوّنة الخاصة بالمقطوعات، التي يُعتقد أنّها ظلّت مُهملةً منذ عام 1778، أي الفترة التي قضاها المؤلِّف في مدينة باريس، وذلك خلال عمليّة جردٍ لمحتويات المكتبة الوطنية الفرنسية أُجريت في شهر فبراير/شباط الماضي، حين وقع نظر الباحث الموسيقي فرانسوا بيير غوي على كُرّاسٍ صغير ذي غلافٍ أحمر مُذهّب يضمّ 44 ورقةً اصفرّت بأثر الزمن. وما إن بدأ بتصفّحه، حتى ميّز على الفور اليد الأنيقة التي دوّنت النوتات بالريشة، ورسمت مفاتيح الآلات، وكتبت أسماءها أعلى سطور المدارج الموسيقية.
وبعد بحثٍ وتأصيلٍ تاريخي، وتدقيقٍ في محتواه، توصّل غوي إلى أنّ الكرّاس قد خُصِّص لتدوين دروسٍ في التأليف الموسيقي أعطاها موتزارت للآنسة دو غين، ابنة دوقٍ باريسيّ بارز من بين رعاته الأرستقراطيين، والتي كانت تُجيد العزف على الهارب؛ لذا ألّف لها مقطوعاتٍ نموذجيةً تُصاحب بها الفلوت، يشرح من خلالها مقاربته التأليفية إزاء تشكيلة كهذه، من ناحية إدراك إمكانات العزف وحدوده، وحسن اختيار الطبقات الصوتية الملائمة، بغية تحقيق التوازن اللازم لإبراز مكامن التأثير لدى كلٍّ من الآلتين الوترية النقريّة والنفخية الهوائية.
وقد تبيّن، جرّاء فحص نوعية الورق، وإجراء المقارنات مع مصادر أخرى، ودراسة الملاحظات التي ملأت الحواشي، أنّ الكرّاس يقتصر على المقصد التعليمي، وأنّ المقطوعات المدوّنة فيه لم تكن قد دخلت بعد السجلّ التوثيقي لأعمال المؤلّف، ولم تُؤدَّ في الحفلات الموسيقية والمناسبات الرسمية، وإنّما بقيت بمثابة تمارين إيضاحية في التأليف جرى تنضيدها ضمن مسار الدروس الخصوصية، لتُؤدّى بمصاحبة آلة الفلوت؛ إذ كان الدوق، والد التلميذة، عازفاً مكيناً عليها، وقد كلّف موتزارت، في الفترة ذاتها، بكتابة كونشرتو لها وللهارب بمصاحبة الأوركسترا.
وبمقتضى القصد التعليمي البحت، لا تخرج المقطوعات داخل الكرّاس عن جماليّات الحقبة الممتدّة على طول القرن الثامن عشر، والمعروفة بالأسلوب منمّق غالانت، ولا حتّى عن الجماليّات الخاصة التي
ارسال الخبر الى: