على قلق كأن الريح تحتي والخوف الذي يسكننا
لا أعرف بيتاً في الشعر وصف هشاشة الطمأنينة كما فعل المتنبي في هذا البيت. رجل كثير الترحال، كأنّ الأرض ضاقت عن أن تكون تحته، فلم يبق إلا الريح. والريح لا يُسند إليها ظهر، ولا تُبنى عليها البيوت، ولا يؤتمن جانبها. ومع ذلك يقول: أوجّهها. في البيت مفارقة تشبه حياتنا؛ أن نخاف ونمضي، أن نهتز ولا نسقط، وأن نحاول اختيار الجهة فيما الأرض نفسها ليست مضمونة.
ربّما لهذا أشعر أنّ السوريين تأخّروا ألف عام عن بيت كُتب لهم. بلاد تتلو بلاداً، حقائب لا تشيخ لأنها تُستعمل كثيراً، بيوت نتعلّم مفاتيحها ثم نغادرها، وأهل موزّعون على خرائط لا تجتمع أطرافها إلا على شاشة هاتف. حتى كلمة مستقر صارت ثقيلة على بعضنا. نستقر، ويظلّ احتمال الرحيل في مكان ما من الرأس، مثل حقيبة صغيرة لا يراها أحد.
لكن الريح بدأت عندي قبل كلّ هذا. في الرابعة عشرة كان لي خال شيوعي، وكان الخوف من الاعتقال يمرّ في البيت كلّما مرّ اسمه. لم أفهم يومها السياسة كما أفهمها الآن، لكنّني فهمت الخوف. الأطفال لا يحتاجون إلى تفسير كامل كي يلتقطوا رائحة القلق؛ يعرفونها من الأصوات حين تنخفض، من الجملة التي لا تُستكمل، من نظرة الكبار بعضهم إلى بعض. هكذا عرفت باكراً أنّ شيئاً مُخيفاً يستطيع أن يحضر من دون أن نراه.
بلاد تتلو بلاداً، حقائب لا تشيخ لأنها تُستعمل كثيراً، بيوت نتعلّم مفاتيحها ثم نغادرها
وفي طفولتي رأيت جارنا يضرب زوجته بعنف. لم أكن أعرف شيئاً عن مصطلحات العنف الأسري وعلاقات القوّة. رأيت فقط يداً تهوي على امرأة، وتخلخل شيء في داخلي. ثمّة مشاهد لا تبقى لأنّ ذاكرتنا قوّية، بل لأنّ أجسادنا ترفض نسيانها. كان البيت في خيالي الجهة التي نغلق بابها في وجه الخوف؛ وفجأة رأيت الخوف يعيش في الداخل.
كبرت ومعي هذه المعرفة المُبكّرة بأنّ الأشياء ليست مُحكمة الإغلاق كما تبدو. كنت أخاف الغربة قبل أن أجرّبها، وحين عرفتها اكتشفت أنّها ليست المسافة بين بلدين فقط؛ هي أن تحتاج وقتاً كي يصبح
ارسال الخبر الى: