قضايا هامشية

يمنات
عبد الكريم الشهاري
من قلب الخراب… لماذا يحتاج اليمن اليوم إلى فلاسفته ومفكريه وشعرائه ونقاده وروائييه؟
(لا تسقط الأمم حين تهزم جيوشها، وإنما حين تعجز عن إنتاج الأفكار التي تفسر هزيمته)
لست أدري ما الذي يؤلم اليمن اليوم أكثر، الحرب أم الاعتياد عليها، الفقر أم تحوله إلى قدر يتوارثه الأبناء، الانقسام السياسي أم انقسام الوعي ذاته، أم ذلك الشعور القاسي بأن المأساة أصبحت خبراً يومياً، وأن الخراب صار المشهد الطبيعي الذي نستيقظ عليه كل صباح؟
لقد اعتاد اليمني أن يسمع أصوات المدافع أكثر مما يسمع أصوات الكتب، وأن يرى صور القادة أكثر مما يرى صور المفكرين، وأن يحفظ أسماء الجبهات أكثر مما يحفظ أسماء الفلاسفة، وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فالأمم لا تُقاس فقط بما تملك من الثروة أو السلاح، ولكن بما تنتجه من أفكار قادرة على تفسير واقعها وتغييره. وحين يتوقف المجتمع عن التفكير، يبدأ الآخرون بالتفكير نيابة عنه، ويصبح مجرد ساحة تتصارع فوقها المشاريع المختلفة، بينما يغيب الإنسان.
وربما لهذا السبب تبدو بعض ملامح اليمن اليوم شبيهة – في جوانب محددة – بأوروبا التي سبقت عصر النهضة. ليست المقارنة لأن التاريخ يتكرر بحذافيره، ولا لأن التجربتين متطابقتان، فلكل عصر ظروفه ولكل مجتمع خصوصيته، وإنما لأن هناك أنماطاً إنسانية تتكرر: احتكار الحقيقة، وتسييس الدين، وتغليب الولاءات المغلقة، واستمرار الصراعات التي تستنزف المجتمع، وتراجع مساحة التفكير الحر.
في عصور الظلام، ظلت أوروبا لقرون طويلة تعيش في ظل سلطات متشابكة، يتداخل فيها الديني والسياسي، وتندلع فيها صراعات وحروب حمل كثير منها شعارات دينية، بينما كان عامة الناس يدفعون الثمن من أرواحهم وأرزاقهم وكانت المجاعات والأوبئة والأمية جزءاً من المشهد، كما كان الخوف من السؤال جزءاً من الثقافة، لكن التاريخ، في النهاية، لم يتذكر أسماء معظم قادة تلك الحروب، وعندما استيقظ وعي التاريخ هب بالقادة الين عبثوا بالدماء واستهانوا بالأرواح إلى مزبلة التاريخ، أما الذين بقوا أحياء في الذاكرة الإنسانية فهم أولئك الذين كتبوا.
لقد وقف دانتي أليغييري على تخوم عصرين، عصر
ارسال الخبر الى: