فيلم الأوديسة لنولان موسيقى وزر الرجل الأبيض
قلّما أثار فيلمٌ نقاشاً ضمن الثقافة الجماهيرية حول العالم كالذي استبق وواكب وأعقب صدور فيلم الأوديسة للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، المقتبس من ملحمة الشاعر الإغريقي هوميروس، ما يذكّر بالضجة الإعلامية التي صاحبت الجزء الأول من «جوراسيك بارك» (1993، إخراج ستيفن سبيلبرغ).
وإذا ما اقترنت مشاهدة فيلم الأوديسة بالاستماع إلى موسيقاه التصويرية التي ألّفها السويدي لودفيغ غورانسون (41 عاماً)، فسيتجلّى للأذن، كما للعين، كيف أن المادة السمعية لم تقف عند حدود التزويق التشكيلي أو التوجيه الدرامي، وإنما تجاوزتها لتكوّن عناصرَ دالّةً على جملة الرموز التي تضمّنتها ملحمة نولان السينمائية، فضلاً عن تجسيدها صوتيّاً للمخيال ذي المركزيّة الغربية الذي استُوحيت منه، أكان ذلك بفعل تموضعٍ ثقافي أم مواءمةً لذائقة الجمهور المستهدف، أو الاثنين معاً.
عند المقارنة بالملحمة الأصلية، التي يُعتقد أن هوميروس جمعها بدوره من قصصٍ شعبية توارثها الإغريق القدماء وتناقلوها شفهياً على شكل أشعارٍ، يبدو نولان، من خلال الشكل، كمن يستميل اليسار ويسار الوسط الأميركي خصوصاً، والغربي عموماً، بمراعاته التمثيل الهويّاتي وإسناده أدواراً عدّة إلى أصحاب البشرة السوداء. أما المضمون، فيخاطب الوسط الليبرالي واليمين المحافظ، عبر إسقاط مسلكيّة يهو-مسيحيّة على بطل الأوديسة، غريبة عن معتقدات اليونانيين القدماء.
من زاويةٍ موسيقيّة، تُسمع مقطوعة السيرينات (The Sirens) بمثابة لحنٍ قائد (Leitmotif) يؤطّر المرجعية الأخلاقية والمعاناة النفسية للشخصية الرئيسية أوديسيوس (يؤدّيها الممثّل مات ديمون). واللحن القائد هو فكرة موسيقيّة يقترن سماعها بشخصيةٍ ما أو حبكةٍ معيّنة، ووضعه غورانسون ليُعزف على آلةٍ نفخيّة يونانية قديمة تُدعى الأولوس، مكوّنة من قصبتين مثقّبتين تُفتح ثغورهما وتُغلق بواسطة رؤوس الأصابع، بما يتيح إصدار خطّين لحنيين متزامنين، أو تثبيت نغمةٍ ممتدّة على إحداهما مقابل تنويع النغمات على الأخرى؛ ما يجعلها شديدة الشبه بآلة اليرغول الفلسطينية.
بحسب هوميروس، تُحذّر الإلهة سيرسي، ابنة إله الشمس هيليوس، أوديسيوس، وهو يهمّ بمتابعة الإبحار بحثاً عن طريق العودة إلى الوطن، من أنه سيمرّ بجزيرة تسكنها حوريّات يُدعين السيرينات، يمتلكن صوتاً ساحراً يسلب القلوب، إلا أن في ثنايا غنائهن معارفَ وأسراراً يطمح إلى حيازتها.
ارسال الخبر الى: