فاتف تخنق إيران حلم طهران بكسر الحصار المالي يتبخر
162 مشاهدة
أبقت مجموعة العمل المالي الدولية FATF في جلستها يوم الجمعة الماضي إيران ضمن قائمتها السوداء بعدما رفضت تحفظات طهران على إقرار اتفاقية باليرمو بشأن تعريف الجماعات الإرهابية وفاتف هي هيئة رقابية دولية مقرها العاصمة الفرنسية باريس ويهدف عملها إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وذكرت المجموعة على موقعها الرسمي أن إيران قدمت في سبتمبر أيلول الماضي تقريرا حول تصديقها على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود باليرمو لكنها اعتبرت أن تحفظات طهران على الاتفاقية واسعة جدا وأن تنفيذها الداخلي لا يتطابق مع المعايير المعتمدة لدى فاتف وأضاف البيان أن إيران لم تطبق بعد أغلب بنود خطة العمل التي التزمت بها منذ عام 2016 رفض إزالة اسم إيران من القائمة السوداء أثار جدلا داخليا إذ استغل المحافظون القرار لمهاجمة الإصلاحيين الذين كانوا من أوائل الداعين إلى المصادقة على القوانين اللازمة للانضمام إلى فاتف معتبرين أن إخفاق الحكومة في هذا الملف يؤكد صحة مواقفهم ومع تولي الرئيس الإصلاحي مسعود پزشكيان الرئاسة قبل عام وعودة الإصلاحيين إلى السلطة أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي في يناير كانون الثاني 2025 موافقته على إعادة دراسة انضمام إيران إلى اتفاقيتي باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب CFT في مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي أقر لاحقا الموافقة على اللوائح المتبقية الخاصة بهذا الملف مع تسجيل عدد من التحفظات وبذلك كانت طهران تأمل بأن تمهد هذه الخطوة لخروجها من القائمة السوداء باستيفاء أهم شروط الانضمام إلى مجموعة فاتف خلفية الملف منذ بدء مساعيها عام 2009 للانضمام إلى فاتف مر الاقتصاد الإيراني بـ16 عاما من الاضطراب والتكاليف الباهظة في التحويلات المالية والتجارية خصوصا في ظل العقوبات النفطية والمصرفية التي عمقت أزمته وقد أدرجت إيران رسميا على القائمة السوداء منذ عام 2007 ومع عام 2009 فرضت ضدها إجراءات مضادة حثت دول العالم على الحذر من التعامل المالي معها وفي عام 2016 بعد أشهر من تنفيذ الاتفاق النووي المبرم عام 2015 أخرجت فاتف إيران من قائمتها السوداء لكنها في عام 2020 وبعد منحها أربع مهل لإقرار التشريعات المتبقية أعادتها إلى القائمة السوداء وخلال عهد الرئيس حسن روحاني أعلنت الحكومة الإيرانية استعدادها للانضمام إلى فاتف وقدمت لوائح تشمل أربعة تشريعات رئيسية صودق على اثنين منها هما تعديل قانون مكافحة تمويل الإرهاب ومكافحة غسل الأموال فيما علق إقرار لائحتي الانضمام إلى باليرمو وCFT بسبب رفض مجلس صيانة الدستور آنذاك قبل أن يوافق عليهما مجمع تشخيص المصلحة أخيرا إلا أن فاتف أعلنت في اجتماعها الأخير أنها لا تزال تبقي إيران على قائمتها السوداء ضمن الدول عالية المخاطر إلى حين استكمال تنفيذ خطة العمل بالكامل وطلبت المجموعة من إيران تنفيذ ستة إجراءات محددة تشمل تجريم تمويل الإرهاب بشكل مناسب بما في ذلك إلغاء الاستثناءات عن المجموعات التي تحارب الاحتلال الأجنبي أو التمييز العنصري وتجميد الأصول الإرهابية تماشيا مع قرارات مجلس الأمن الدولي وضمان تطبيق نظام اعرف عميلك CDD بفعالية إلى جانب ملاحقة مزودي خدمات التحويل المالي غير المرخصين وتنفيذ اتفاقيتي باليرمو وCFT بما يتماشى مع معايير فاتف وضمان أن التحويلات المصرفية تحتوي دائما على معلومات كاملة عن المرسل والمتلقي عضو غرفة طهران للتجارة محمد أميري قال لـالعربي الجديد إن الخلاف بين إيران وفاتف ليس تقنيا فقط بل سياسي أيضا موضحا أن تفعيل آلية الزناد Snapback من قبل فرنسا وبريطانيا وألمانيا في سبتمبر أيلول الماضي وما تبعه من عودة العقوبات الأممية جعل خروج طهران من القائمة السوداء أكثر صعوبة وأضاف أن توصيف إيران دولة مهددة للسلم والأمن الدوليين بموجب قرارات مجلس الأمن المعاد تفعيلها يشكل عقبة أمام استعادة علاقاتها مع النظام المالي العالمي إلى جانب العقوبات الأميركية التي ما زالت سارية المفعول بشدة ويرى أميري أن تأخر إيران في اعتماد التشريعات المطلوبة فاقم الوضع قائلا السياسات الإصلاحية المتأخرة لا تمنح ثمرة نحن نتخذ القرار حين يفقد جدواه الاقتصادية والسياسية وأوضح أن هذا البطء جعل الاقتصاد والتجارة الإيرانيين معطلين طيلة ما بين 16 و17 عاما حتى عندما أقرت القوانين لاحقا جرى ذلك في ظل مناخ دولي سلبي لا يسمح بالاستفادة من مكاسب الانضمام إلى فاتف وذكرت وكالة أنباء فارس الإيرانية المحافظة الأحد أن إبقاء إيران على القائمة السوداء جاء رغم تنفيذها الكامل لخطة العمل المكونة من 41 بندا وإجراء إصلاحات في هياكلها الرقابية والمصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب معتبرة أن القرار يعبر عن استمرار المعايير المزدوجة والنظرة التمييزية الغربية وأضافت الوكالة أن الغرب كلما خطت طهران خطوة تقنية أو دبلوماسية يفتح على الفور ملفا جديدا لإبقاء الضغوط قائمة دون انقطاع ضرورة اقتصادية يقول الخبير المالي الإيراني محسن جندقي لـالعربي الجديد إن إيران لم تعد تملك خيارا سوى الانضمام إلى مجموعة العمل المالي الدولية FATF لأن جميع دول العالم تعتمد عليها في بنيتها الاقتصادية والتجارية وأكد أن تأخير طهران في التصديق على اتفاقيتي باليرمو وCFT كان من أهم الأسباب التي أدت إلى تفعيل آلية الزناد ضدها من قبل الأطراف الأوروبية وأوضح أن المجموعة رغم طبيعتها المالية تتخذ أيضا قرارات سياسية مضيفا ليس أمامنا مخرج سوى الانضمام إليها حتى الحلفاء السياسيون لإيران كروسيا والصين أوصوا في السابق بضرورة أن تتعامل طهران بجدية مع هذا الملف وتلتزم بقوانينه وبين أن فاتف لا تقول شيئا سيئا في جوهر الأمر فهي تطلب من إيران أن تعمل وفق معايير مكافحة الجرائم المالية الدولية بما في ذلك مكافحة الجريمة المنظمة وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وأن تضبط نظام تعاملاتها المالية وفق تلك المعايير وهو أمر ضروري لإصلاح بنية الاقتصاد الوطني الإيراني وأضاف جندقي أن أحد أهم منافذ الخروج من العزلة الاقتصادية الحالية هو تفعيل العلاقات التجارية العالمية مشيرا إلى أن الشركات الصينية التي تتعاون مع إيران رفعت كلفة التحويلات المالية بسبب استمرار إدراج إيران على القائمة السوداء وقال إن أبسط تأثير للانضمام إلى المجموعة هو خفض كلفة التحويلات المالية وتسهيل عمليات التصدير والاستيراد وهو ما يشجع المصارف والشركات الكبرى على التعامل مع إيران ويزيد ثقة السوق العالمية بها لكنه حذر من الاعتقاد بأن مجرد الانضمام إلى فاتف كاف لمواجهة التحديات الاقتصادية قائلا هذا الشرط ضروري لكنه غير كاف إذ لا بد من تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والتجارية ودبلوماسية الطاقة إلى جانب ذلك حتى ينعكس أثر الانضمام فعليا على التجارة والصادرات ومعدلات النمو والإنتاج المحلي انعكاسات على حياة الإيرانيين تمتد الانعكاسات العملية للعقوبات والعزلة المالية إلى حياة الإيرانيين اليومية فحتى أبسط المعاملات من شراء تطبيق بسيط إلى تحويل بضع دولارات أصبحت معقدة ومكلفة وغير ممكنة أحيانا يقول المبرمج المستقل آرش همايوني من طهران لـالعربي الجديد بدأت المشكلة حين تلاشت إمكانية الوصول لأبسط الخدمات لا أستطيع اليوم شراء اشتراك تطوير مثل Xcode أو الدفع في GitHub بسهولة مضيفا أن البطاقة المصرفية الإيرانية غير مقبولة في الأنظمة الدولية فيضطر للجوء إلى أصدقاء في الخارج أو التعامل نقدا بالدولار وهو أمر مرهق ومحفوف بالمخاطر وأوضح أن مجرد شراء برنامج مساعد بسعر 40 دولارا قد يتطلب عملية عبر صراف عملات رقمية مع عمولة وتأخير كبيرين وأحيانا يجمد الحساب بسبب منشأ التحويل من إيران ويرى أن العقوبات ليست فقط ضغوطا اقتصادية بل شعورا بالعزلة التكنولوجية إحساس بأن العالم يتقدم ونحن واقفون خلف جدار غير مرئي والعقل الإيراني يجد أحيانا طرقا للالتفاف عليها لكن التكاليف باهظة جدا أما التاجر بهزاد وهو مستورد صغير للأدوات الإلكترونية فأوضح أن كل التحويلات التجارية باتت تمر عبر وسطاء غير رسميين بتكاليف مرتفعة تصل إلى 10 أو أكثر من قيمة الصفقة ويروي أنه خسر قبل خمسة أشهر خمسة آلاف دولار بعد تعطل عملية تحويل بالعملات المشفرة دون أن يجد جهة يمكنه الشكوى إليها واصفا عمله بأنه نشاط في ظل مخاطر دائمة وغير قابلة للتنبؤ الانعزال المالي امتد أيضا إلى القطاع الأكاديمي والبحثي فمع قطع القنوات المصرفية لم يعد ممكنا دفع رسوم العضوية في المجلات العلمية أو المشاركة في المؤتمرات الدولية وانقطعت مشاريع التعاون مع جامعات أوروبية وآسيوية بسبب استحالة تنفيذ التحويلات المالية كما حرم طلاب إيرانيون من المنح الدراسية لأن التحويلات جمدت إلا إذا وجدوا طرقا خارج البلد لتجاوز هذه المعضلة ويقول المواطن حميد عظيمي 50 عاما إن ابنته تدرس الطب في المجر وإن تحويل المبلغ الشهري وقدره 500 يورو بات عملية صعبة مليئة بالقلق والانتظار وأضاف أستخدم الصرافين أو العملات الرقمية لكن المال قد يضيع في الطريق أو يغلق حساب الوسيط أحيانا أدفع مئة دولار عمولة من أجل تحويل بسيط ويرى أن العقوبات المالية لا تلحق الضرر بالحكومة ومواردها فقط بل أصابت نسيج الحياة اليومية للإيرانيين مؤكدا أن كل أسرة باتت تدفع ثمن هذه العزلة المالية قبل الدولة نفسها