عن فائدة الطائفية في اغتيال الحقوق المدنية

289 مشاهدة
لا يوجد طرف واحد من بين الأطراف السياسية والأقوامية والطائفية العاملة على المسرح السوري لا يتحمل قسطا من المسؤولية في الفوضى السياسية والفكرية التي تسم الوضع الراهن المشحون بتوترات لا تلين تقع المسؤولية الأكبر في العمل للتخفيف من هذه التوترات على عاتق السلطة حتى لو لم تكن المساهمة الوحيدة فيها فهي صاحبة المصلحة الأولى في تشجيع الجميع على الانخراط الإيجابي في عملية الانتقال نحو الدولة الجامعة أول ما عليها عمله لتحقيق ذلك أن تبلور بشكل واضح مشروع هذا الانتقال الموعود وأن تتعامل مع الجميع بشكل شفاف حتى يعرف كل فرد وكل جماعة ما هي الأولويات وما هو الطريق وما هو الهدف الذي نعمل جميعا نحن السوريين من أجله أي نوع من الحكم وأي قيم نريد لها أن تحكم علاقاتنا في ما بيننا أفرادا وجماعات وطوائف وقوميات وما هو المطلوب من كل الأطراف لإزالة الخلافات وتحقيق التعاون اللازم للوصول إليه وهذا يعني أن يكون لدينا نحن السوريين على اختلاف مذاهبنا وأصولنا بوصلة واحدة تقود خطانا إلى سورية التي نريدها حرة موحدة تساوي بين جميع أبنائها وتصون حقوقهم من دون أي تمييز من أي نوع كان هذا ما كان على الحوار الوطني أن يعمل عليه ولم يفعل وهو ما لم تستطع السلطة إنجازه خلال الأشهر العشرة الماضية أيضا أدى ترك الأمور غامضة وإعطاء إشارات متناقضة إلى سلسلة من الأزمات وسوء التفاهم وانعدام الثقة المتفاقم بين السوريين وقاد إلى ما شهدناه من أخطاء وارتكابات خطيرة في الأشهر الماضية كان من الممكن والضروري تجنبها وهو ما غذى أوهاما كبيرة لدى بعضهم بحتمية الانقلاب وأثار في المقابل حساسيات ومخاوف وفتح ثغرة بين الطوائف تحاول القوى المعادية لسورية استغلالها لإجهاض عملية التعافي والاستقرار وإعادة البناء وبمقدار ما أوحى هذا الموقف للأكثرية الدينية بأن السلطة الجديدة جاءت لتعويضها عن العذابات التي تعرضت لها خلال الحكم السابق عزز الاعتقاد لدى أطراف أخرى بأن الخاسر الأكبر من التغيير سوف تكون الأقليات التي استسهل اتهامها بمهادنة سياسات النظام السابق الطائفية أصبح خلاف الفرد في موقفه السياسي عما يحدده الزعيم الديني أو القبلي في نظر الجماعات المختلفة خيانة للجماعة أو انشقاقا عنها وفي ظل الغموض الهدام لمعنى الانتصار والتغيير والتحرير أعيد عن قصد أو غير قصد بناء خطاب الاحتراب والصراع الأهلي بين أكثرية وأقليات على تقاسم السلطة وفي هذا الاحتراب بل الحرب المشتعلة تحت الرماد التحق الفرد بزعامة جماعته الدينية واضطرت بعض الجماعات إلى تكوين هذه الزعامات أو إعادة تشكيلها على عجل وبمقدار ما عم الاستقطاب على هذه القاعدة أصبح خلاف الفرد في موقفه السياسي عما يحدده الزعيم الديني أو القبلي في نظر الجماعات المختلفة خيانة للجماعة أو انشقاقا عنها ومن الطبيعي أن يكون الضحية الأولى لهذا الاحتراب خطاب المواطنة أو الوطنية وأن يتحول أصحابه إلى غرباء عن طوائفهم وأحيانا أعداء لها وغاب مع اختفائه في الحوار الممنوع منطق العقل السياسي وحل محله منطق العصبية الأعمى وصار الوطن هو أنا ومن يؤيدني وكل من لا يقف إلى جانبي ويدعم قضيتي هو الخائن أو العدو وغابت السياسة ذاتها كما غاب معها الحديث عن وطن أو برنامج وطني أو سياسة وطنية ولم تفتقر أجهزة السلطة ذاتها إلى خطاب وطني فحسب بل أكثر من ذلك لم تعد تتداول في معنى سورية الجديدة سوى لغة الاستثمارات والوعود بالنهضة الاقتصادية والاحتفاء بالعلاقات المتجددة مع الخارج الإقليمي والدولي هكذا تخلينا كليا عن برنامج الحقوق الإنسانية التي هي حقوق فردية وكونية وصرنا نتحدث عن حقوق المكونات التي تتنازع الانتماء وفي بعض الأحيان عدم الانتماء لسورية وحق كل منها في التعويض عن تضحياتها والأذى الذي ألحق بها قبل الثورة أو بعدها وهذا ما أدى إلى مزيد من التباعد والانقسام بحيث لم يبق من يتكلم عن شعب سوري ومن ثم عن وطن واحد إلا القلائل الذين أصبحوا كالقابض على النار أو السائر على حبل مشدود في مواجهة الحراب المتقاطعة خطاب المكونات وخطاب المواطنة من الصعب لخطاب المكونات السائد اليوم وما يرافقه من مظلوميات متنافسة ومن تركيز على حقوق الجماعات عوضا عن التركيز على حقوق الأفراد أن يقود إلى أي حل بل لا يمكن إلا أن يعمق استمراره الشروخ ويقود إلى تفجير النزاعات والصدامات العنيفة التي لم تخدم سوى مصالح القوى الأجنبية الراغبة في تقسيم سورية أو على الأقل إبقائها معلقة في الفراغ فكما يبطل التجييش الطائفي التفكير السياسي فإنه يجعل من خطاب المظلوميات من جميع الأطراف بديلا لخطاب الحقوق والواجبات المؤسس للشعب بالمعنى السياسي للكلمة أي للأفراد بوصفهم ذواتا سياسية يشاركون في بناء أمة ودولة من خلال القانون والمواطنة المتساوية فالمكونات سواء كانت طوائف دينية أو إثنية لا ترى في الفرد إلا امتدادا عضويا لها والقانون الوحيد الذي يحكم إعادة إنتاجها ويحدد قوتها وتماسكها وقدرتها على ربح رهاناتها هو العصبية التي تشد أفرادها إليها وتجعل منهم قوة ضاربة موحدة في مواجهة خصومها وجماعات العصبية لا تتحدث عن أوطان ولا عن حقوق أفراد ولا يهمها مصيرها وإنما عن مواطن أو حمى خاصة بها تختلط فيها مشاعر الانتماء للقبيلة مع مشاعر الامتلاك للأرض في المقابل يشير لفظ الشعب في السياق التاريخي الحديث إلى مفهوم سياسي يختلف كليا عن مفهوم الجماعة الأهلية الثقافوي إنه صناعة سياسية نشأ مع مفهوم المواطنة وعمل على صناعته تبني برنامج الحقوق العامة التي تقرها الدولة لكل فرد وتبرر هي ذاتها وجود الدولة الحديثة أيضا وبسبب تحقيق هذا البرنامج تراجعت العصبيات الأهلية ونشأت الأمة أي الجماعية الوطنية وهي جماعة سياسية يرتبط وجودها بضمان ممارسة هذه الحقوق وتتقدم بتقدم هذه الممارسة والسلطة التي تلتزم بتطبيقها والحفاظ عليها هي التي تحظى بالشرعية ولا يمكن إلا أن تكون سلطة منبثقة من الأفراد أنفسهم وقد تحولوا بفضل تمتعهم بهذه الحقوق إلى شعب أي إلى جماعة سياسية جديدة متميزة عن الجماعات الأهلية وعابرة لها وهو بالتالي مفهوم ارتبطت ولادته بتطور مفهوم الدولة بوصفها دولة الشعب والناس والجمهور ومنه الجمهورية لا دولة الملك أو الأرستقراطية الحاكمة التي كانت المتمتعة الوحيدة بالحقوق بمقدار ما كانت هذه الحقوق خصوصية ولا تعني المواطنة في العصر الحديث سوى التمتع المتساوي بحقوق هذه السلطة الدولة والقيام بالواجبات التي ترتبط بها وتعيد إنتاجها أدى ترك الأمور غامضة وإعطاء إشارات متناقضة إلى سلسلة من الأزمات وسوء التفاهم وانعدام الثقة المتفاقم بين السوريين ومن هذه الحقوق وأولها الحقوق السياسية التي تعني المشاركة في القرار من خلال حق التعبير والتمثيل والنقد والاحتجاج والانتخاب وتغيير الحكومات فالمواطن بعكس الأخ أو ابن العم في الطائفة أو القبيلة هو من يتمتع بهذه الحقوق ويشارك في إقامة السلطة العمومية التي ترعاها بغض النظر عن انتمائه العضوي الأصلي وما يعيد تشكيل الأفراد كجماعة موحدة ومتفاعلة شعب أمة ليس الموروث الثقافي أو الديني متوهما كان أو حقيقيا وإنما مشاركتهم المتساوية في هذه الحقوق وهذا ما يقع على عاتق الدولة واجب تنظيمه مقابل حصولها على الشرعية وذلك كله من خلال خضوع الجميع للقانون بمن فيهم الدولة نفسها فالقانون هو المؤسس للدولة والشعب بوصفه هيئة تمثل الأفراد الأحرار الذين صاغوا القانون بمحض إرادتهم وعبر ممثليهم الشرعيين لا تولد المواطنة من الانتماء الهوياتي ولا تنشأ من تلقاء نفسها وإنما هي ثمرة نظام سياسي يبنى لبنة لبنة على قاعدة اختيارات أخلاقية واجتماعية عموداها الحرية والمساواة القانونيتان وهي اختيارات تستدعي عملا منظما على الفرد وعلى المجتمع في الثقافة وفي التربية وفي الممارسة السياسية والشروط المعيشية فعلى تنمية هذه الحقوق الفردية وممارستها تتأسس الأمم الحديثة بوصفها جماعة واعية بهويتها السياسية تحكم نفسها بنفسها ولا تحكم من خارجها ومن المواطنة التي هي صفة من يتمتع بهذه الحقوق تولد الوطنية أي الروح الجامعة التي تدفع الأفراد المواطنين إلى التضامن والتلاحم والتعاضد دفاعا عن الدولة لا بوصفها تعبيرا عن هوية ثقافية وإنما تجسيدا ماديا للقانون الضامن والكافل حقوق الأفراد لا تولد المواطنة من الانتماء الهوياتي ولا تنشأ من تلقاء نفسها هذا هو البرنامج السياسي الذي تبنى عليه الأمم الحديثة أو الدول الأمم وهي التي تغيب كليا عندما نتحدث عن مكونات من طوائف وعشائر وإثنيات فكل ما هو مطلوب في هذه الحالة أولا أن يكون للمكونات ممثلون في الحكم من طينتها ومتماهون معها أو كما درج عليه القول بعد سقوط الأسد أناس يشبهوننا وثانيا أن تكون حصتنا من الدولة التي لا ترى إلا باعتبارها موارد ومكاسب مادية ومعنوية متناسبة مع حجمنا أو وزننا أو قوة عصبيتنا ما يعني أن الدولة نفسها تتحول إلى غنيمة وتطرح للتقاسم على العصبيات المتنازعة عليها أي أن تفقد هويتها السياسية بوصفها تجسيدا وتطبيقا لسلطة القانون الضامن حقوق الأفراد الأساسية ومن ثم سيادتهم ليس مهما في هذه الحالة أن يكون ممثل الجماعة في السلطة كفؤا أو أمينا أو فاسدا المهم أن يكون من جلدتنا وديننا أو قوميتنا ويدافع عنا وعن مصالحنا الجمعية أي حصتنا من السلطة والثروة والجاه ومن الأفضل أن يكون من جنسنا ومنه مفهوم التجانس الذي استخدمه الأسد الابن سيئ الذكر يتكلم لغتنا ويضرب بسيفنا وكلما أظهر شراسة أكثر في تأكيد الخصوصية والتعبير عن المظلومية المكافئة للمطالب المادية كان أكثر شعبية وقدرة على شد عصب أتباعه وتوحيد إرادتهم الجمعية والنتيجة تختصر السياسة في شخص الزعيم وقدرته الخاصة على تعبئة أفراد الطائفة أو العشيرة وراءه لإخضاع الخصوم أو فرض اقتطاع الحصة الأكبر من الغنيمة الدولة بين المحاصصة والمشاركة السياسية لذلك لا يجري الصراع الاجتماعي هنا على حقوق الأفراد المدنية أو السياسية وليس هذا رهانه الرئيس إنه يجري على تقاسم موارد الدولة مناصبها وسلطاتها أول من يستفيد منه وجهاء الطائفة أو القبيلة وقادتها من شيوخ وأعيان وعندما تتحول الدولة إلى غنيمة والحقوق إلى محاصصة تحكمها القوة لا يعود هناك معنى للقانون وبالتالي للمواطنة وللحقوق والحريات المرتبطة بها بما في ذلك حقوق الشعب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لذلك من الطبيعي أن تكون دولة المحاصصة السياسية دولة الإهمال والتخلف والأزمة الدائمة وفي عصرنا الراهن حيث تفككت الطوائف والقبائل إلى حد كبير وتراجعت إمكانية إحياء العصبيات التقليدية والاستثمار فيها يثير الصراع العصبوي على الدولة صراعا موازيا ربما أعنف في حضن الطوائف نفسها على الزعامة والوجاهة المرتبطة أيضا بالإثراء وفي هذا الصراع الموازي يصبح من مصلحة المتنافسين على زعامة الطوائف المزايدة في التطرف والشحن الطائفي باعتبارهما مصدرا أساسيا لاكتساب الشرعية السياسية فبمقدار ما يكون ممثلوها وحوشا ويظهرون العداء ضد ممثلي الطوائف الأخرى تزداد شعبيتهم وتشعر غالبية جمهورهم بأنهم الممثلون النجباء للجماعة وهذا ما يفسر أيضا أن دولة المحاصصة الطائفية هي دولة الاحتراب الدائم داخل الطوائف وفي ما بينها وسرعان ما يتحول هؤلاء الزعماء وممثلو الطوائف في حالات التوتر والنزاع إلى أمراء حرب مع مليشيات وأجندات قتالية يستخدمون فيها جماعاتهم من أجل إعادة توزيع الموارد والثروة في ما بينهم بحسب ما تسمح به التوازنات والاتجاهات الدولية والإقليمية وهذا ما يفسر استشراء الفساد الكبير الذي لا يعرف حدودا وفي النهاية وبتغييب الحقوق الفردية التي هي جوهر الثورة السياسية الحديثة لا يبقى أيضا معنى للقانون وسلطته وبمقدار ما تتحول الدولة إلى غنيمة ويتحول الصراع الاجتماعي إلى صراع على محاصصة لا يستفيد منها في النهاية سوى زعماء الطوائف والعشائر والأقوام لا يبقى للفرد من كل الطوائف سوى القشور والفتات فكما أن المكانة التي يحتلها الزعيم مرتبطة بسعة دائرة المحسوبية أي المحسوبين عليه وحجم طائفته فإن شرعية الزعماء في تمثيل الطائفة لا تستمد من نجاحهم في الدفاع عن حقوق مواطنيهم وإنما من الحصة التي ينتزعونها لها أي لأنفسهم في الدولة والمجتمع معا إعادة بناء دولة على شاكلة دولة الأسد الزبائنية بذريعة الانقسامات الطائفية لن يؤسس لدولة وسلام وأمان وتقدم للشعب السوري هذا هو الفرق بين نظامي المحاصصة الطائفية والمواطنة الواحدة المتساوية أي نظام المشاركة السياسية الذي يركز على حقوق الفرد بصرف النظر عن أصله الطائفي أو الإثني ويستمد النائب فيه قوته التمثيلية في البرلمان من نجاحه في الدفاع عن برنامج الحقوق المتضمنة في الدستور الذي هو الأرضية التي تقف عليها المواطنة وهذا هو البرنامج الوحيد الذي يبني الروح الوطنية ويستطيع أن يواجه نظام المحاصصة الطائفية وهو ما عملت السلطة الاستبدادية المديدة خلال نصف القرن الماضي على اغتياله واستكملت تدميره بحرب الإبادة الجماعية وعلى إعادة إحيائه يتوقف أملنا في استعادة وحدة المجتمع والدولة معا فكما ينتج نظام المحاصصة الحرب الأهلية ينتج نظام المشاركة السياسية الاستقرار والتقدم المادي والمدني بمقدار ما يعزز المساواة ويسمح بتداول السلطة يخطئ من يعتقد أن القصد من هذه المقالة التقليل من أهمية احترام الحقوق الجماعية للطوائف والجماعات بما فيها القومية أو الجنسانية على العكس من ذلك تماما ما هدفت إليه هو التذكير بثلاثة أمور الأول أن نقل الصراع الاجتماعي من ساحة السياسة والتفكير السياسي العقلاني إلى ساحة الدين والهوية والخصوصية لا يزيد من فرص الأفراد في التحرر والجماعات في السلام الأهلي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وإنما يهدد بقطع الطريق على أي أمل في التحرر والتقدم والسلام الأهلي وهو حامل لخطاب الانقسام والكراهية الذي سرعان ما يتحول إلى حرب فعلية في المنعطفات الصعبة فهي حقوق ضرورية وشرعية عندما نضعها في مكانها ونضبط إيقاعها على إيقاع ضمان الحقوق الأساسية التي هي في الجوهر فردية تخص كل إنسان ومستقبل الشعب ككل والثاني أن أصل النزاع المستمر في سورية منذ عقود وجوهر الثورة وما دفع السوريين إلى التضحية بأرواح أبنائهم كان ولا يزال بناء دولة المواطنة والقانون وما تعنيه اليوم من الاحترام الدقيق للحقوق الأساسية للأفراد وأن استمرار النزاع وتعثر الانتقال السياسي بعد التحرير يعود في جزء كبير منه إلى تجاهل هذا الجوهر والجهل بمطالب وتطلعات السوريين الذين ضحوا بأنفسهم وأبنائهم من أجلها وسعي بعض منهم إلى إعادة بناء نظام طوائفي شبيه بالذي تسبب في خراب الدولة والمجتمع والاقتصاد والبؤس الذي حرض على الثورة وهو النظام الذي يظهر كل يوم كارثيته في الجوار القريب منا لا تزال الدولة الأمة الحديثة حتى إشعار آخر بالرغم من الأزمات التي تعيشها التشكيل الاجتماعي السياسي الأرقى بين التشكيلات السياسية التي عرفها تاريخ البشرية والثالث كما أن إعادة بناء دولة على شاكلة دولة الأسد الزبائنية بذريعة الانقسامات الطائفية لن يؤسس لدولة وسلام وأمان وتقدم للشعب السوري بجميع طوائفه وأقوامه كلها فإن بناء دويلات على شاكلة دولة الأسد على جزء من الأرض السورية لن ينتج نظام مواطنة يضمن الحقوق الأساسية لأفراد أي طائفة أو جماعة أو قومية باختصار خطاب المكونات الذي لا يرى في الجمهور شعبا قابلا للتحرر السياسي وإنما طوائف وعشائر متنافسة ومتنازعة غيب ويغيب كل يوم بشكل أكبر إن لم يقتل خطاب الوطنية والمواطنة هذا ما عمل عليه النظام البائد وهذا هو السلاح الذي استخدمه الانتداب الفرنسي الذي ليبرر استعماره بحجة أننا لم نكن شعبا مكتملا أي قادرا على توليد إرادة سياسية واعية وإنما طوائف وإثنيات متنازعة لا بد من فرض الوصاية عليها لإعدادها للحياة السياسية التي تمكنها من التحول إلى شعب واع لذاته بوصفه جماعة سياسية وقادرا على أن يحكم نفسه بنفسه والحال لم يعمل حكم الانتداب إلا على استغلال انقساماتنا وتعميقها لتحييد الجميع والتمكين لسيطرته الخارجية ولا يوجد شك في أن استعادة منطق الصراع الطائفي والتركيز عليه خلال نصف القرن الماضي بعد انهيار أحلام التقدم القومية والاشتراكية قد رد على حاجة حكم الاستبداد العسكري لإلغاء الحياة السياسية وإعدام السياسة وتحويلها إلى لعبة توازنات تديرها السلطة وفي السياق نفسه إلغاء فكرة الشعب بوصفه كيانا سياسيا متميزا عن الكيانات الأهلية الطائفية أو القبلية وصاحب حقوق سياسية أصيلة تخصه كمجموع وتخص كل فرد من أفراده على حدة وفي المقابل حاولت أن أبرز في هذا المقال مدى غنى مفهوم الشعب وانفتاحه بالمقارنة مع مفهوم الجماعة الأهلية أو الطائفة وفقره والأهم من ذلك أن الانتماء للشعب ودولة المواطنة لا يلغي الانتماء للطائفة والدين والعقيدة أيا كانت ولكنه يفتح إطارا وحقلا للتواصل والتبادل بين الأفراد أكثر رحابة ويقدم للفرد والمجتمع معا إمكانات وفرصا للتطور الحضاري والتقدم الإنساني الأخلاقي والثقافي والقانوني والروحي لا تقارن ولا تزال الدولة الأمة الحديثة حتى إشعار آخر بالرغم من الأزمات التي تعيشها التشكيل الاجتماعي السياسي الأرقى بين التشكيلات السياسية التي عرفها تاريخ البشرية فقد شهدت فيه المجتمعات ازدهارا لم يسبق من قبل للحريات الفردية والقيم الإنسانية الكونية والعدالة وحكم القانون وتطور العلوم والتقنيات وهذا ما ساهم في قيام جماعات بشرية أكثر غنى وتنوعا وقدرة على تحقيق تطلعات الأفراد وضمان سعادتهم ولا ندري ما إذا كان بإمكان المجتمعات التي أخفقت في تمثل مبادئه أن تنجح في التأقلم مع التشكيلات ما فوق القومية التي تتشكل أمام أعيننا مشيرة إلى أزمته ومعلنة تجاوزه في الوقت نفسه

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح