غياب أكثر حضورا

27 مشاهدة

تتفاوت أعمار الناس، وتتفاوت معها الحكايات التي يتركونها خلفهم. هناك من يغيب فلا يشعر أحدٌ بفراغه إلا أفراد عائلته، وهناك من يرحل فتتسع دائرة الغياب حتّى تبدو المدن أقلّ امتلاءً، وكأنّ شيئاً من معناها انسحب معها. وبين الحالتَين يكمن السرّ كلّه: فالعمر رقمٌ في سجلّ الحياة، أمّا الأثر فهو السيرة التي تواصل المشي بعد توقّف الخطوات.

كم مرّة سمعنا اسم شخصٍ رحل منذ سنوات طويلة، فإذا بالوجوه تبتسم تلقائياً، وإذا بالدعاء يسبق الحديث عنه، وإذا بالذكريات تتدافع كما لو أنّها حدثت أمس. لا أحد يُحصي في تلك اللحظة سنوات عمره، ولا مقدار ما امتلك، ولا عدد المناصب التي تقلَّدها، وإنّما يتذكّر الناس كيف كان معهم، وكيف عبر في حياتهم، وما الذي تركه في قلوبهم قبل أن يتركه في دفاتر التاريخ. وهنا تتجلّى القيمة الحقيقية للحياة، حين يصبح الاسم مرادفاً لخُلُق جميل، أو موقف نبيل، أو كلمة أنقذت روحاً من اليأس، أو يد امتدّت في وقت كان الجميع يديرون ظهورهم.

لهذا يبدو سؤال الخلود مختلفاً عمّا اعتدنا تداوله. فالخلود لا يحتاج معجزة، ولا أسطورة، ولا عمراً يتجاوز المائة. يكفي أن ينجح المرء في أن يغادر تاركاً خلفه أثراً يصعب محوه. فبعض الأعمار القصيرة كانت أوسع حضوراً من أعمار امتدّت عقوداً لأنّ أصحابها عرفوا كيف يعيشون بصدق، وكيف يوزّعون خيرهم من غير حساباتٍ ضيّقة، وكيف يرحلون من غير أن يأخذوا معهم كلّ ما منحوه للآخرين.

ولعلّ أكثر ما يكشف قيمة الأثر، طريقة الناس في استدعاء الغائبين. فهناك أسماء لا تُذكر إلا مقرونةً بالحسرة على ما فعلته بأصحابها وبمن حولها، وهناك أسماء تتحوّل مناسبة للامتنان. وما بين الحسرة والامتنان تختصر الحياة امتحانها كلّه. فالإنسان يكتب سيرته اليومية من خلال التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها عابرةً، بينما هي في الحقيقة اللبنات التي سيبني الآخرون منها صورته بعد الرحيل. كلمة قاسية قد تبقى في الذاكرة سنواتٍ، وكلمة حانية قد ترافق صاحبها إلى قبره ثم تواصل العيش بعده.

ولهذا أيضاً لا يصنع الأثر أصحاب الشهرة وحدهم.

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح