غصة نائب من طاغ إلى أطغى

يمنات
من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.
السلسلة الثامنة
غصة نائب
أحمد سيف حاشد
(1)
من طاغٍ إلى أطغى
يصلون إلى السلطة تحت عناوين براقة محملين بوعود ذهبية، ثم ما يلبثون، بعد أن ينالوا مرادهم ويستتب لهم الأمر، أن يرموا تلك الوعود في أقرب مقلب قمامة، مستبدلين النعومة التي كانوا يُبدونها بغلظة فجة، وبأس أشد.
يتحدثون عن قضايا الناس، وعن العدالة والمساواة والحقوق، ويدعون لأنفسهم الفضيلة والشرف، ويطلقون الوعود والعهود، ثم ينكثون بها، وينقلبون عليها إذا استتبَّ لهم الأمر، وبلغوا منه شدة وقوة، غير أبهين بما كانوا يدعون.
التمكين يحولهم من وداعة ونعومة ولين إلى كائنات مرعبة، ومسوخ دميمة، بمفارقات صاعقة حتى ليبدو أن رفق الأمس قد تحوّل إلى مردة وشياطين، يجلبون معهم شرور الأرض، وخراباً كبيراً يبلع العمران ويبيد الحياة.
تستيقظ على عاصفة من الأسئلة، وقد بات الفأس بالرأس: هل كانوا يتوارون خلف الأقنعة الناعمة حتى يبلغوا مرادهم؟! هل كانوا يتربصون للحظة مواتية ينقضون فيها على سدة الحكم، ثم يستفردون به، وينقلبون على من حملهم إليها بنهايات فاجعة بين مغتال ومعتقل ومقصي ومغدور؟! أين كان يختبئ هذا القبح كله؟!
يا لقسوة التاريخ حين يعيد إنتاج جلّاديه بأقنعة جديدة. وهنا تكمن المفارقة في أقصى مداها: أن ضحية الأمس هو جلاد اليوم، ويا لبؤس المفارقة.
وإذا كان “أكتون” قد قال “السلطة المُطلقة مفسدة مطلقة” قبل نحو قرن ونصف؛ احتجاجاً على رغبة بعض المتزلفين في استصدار قانون يحصن البابوات لأنهم “لا يخطئون”، فنحن اليوم هنا نعيش وبالها؛ بعضه بقانون الغلبة، وبعضه بلا قانون، بل أحياناً بسادية وجنون.
لم يعد التحصين من المساءلة، التي باتت عصيّة المنال، مقصورًا على رجال السلطة العليا، بل يمتد إلى حامل كنية “أبو فلان” المحمي بحصانة جهادية مانعة من المسؤولية والعقاب.
لقد حاولتُ في بعض القضايا الحقوقية والمجتمعية أن أسجل اختراقاً ما في مواجهة تلك الحصانة، لكنني خلصتُ إلى صعوبةٍ تعانقها استحالة.
لقد شهدتُ تجارب مريرة لأناس عديدين في قضايا انتهاكات جريئة، وفشلنا في أن تطول يد العدالة
ارسال الخبر الى: