10 سنوات على غياب أمبرتو إيكو السيميائي خارج المتاهة
63 مشاهدة
قدم أمبرتو إيكو تصورا مغايرا للنص الأدبي والفني باعتباره بنية مفتوحة على احتمالات متعددة وليس كيانا مغلقا يحمل معنى واحدا ثابتا منذ كتابه المبكر العمل المفتوح 1962 ووفق هذا التصور لم يعد القارئ متلقيا سلبيا بل شريكا في إنتاج المعنى ويربط السيميولوجي والروائي الإيطالي الذي تمر اليوم الخميسnbsp عشرة أعوام على رحيله هذا التحول بتحولات الحداثة في الأدب والفنون ويمنحه في الوقت نفسه بعدا نقديا يتجاوز الجانب الشكلي الجمالي إلى ما هو أوسع وقد شكلت هذه الفكرة حجر الأساس في مشروعه السيميائي كما مثلت موقفا نقديا صريحا من أنماط التفكير الشمولية التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وفي أعماله النظرية اللاحقة ولا سيما القارئ في الحكاية وحدود التأويل واصل إيكو تفكيك العلاقة المعقدة بين النص والقارئ محذرا من انزلاقين متقابلين معنى مغلق تفرضه السلطة باسم الحقيقة وتأويل منفلت يحمل النص ما لا يحتمل فالتأويل في نظره ممارسة مشروطة ببنية النص وسياقه الثقافي تقوم على توازن دقيق بين الانفتاح والانضباط مستندا في ذلك إلى أمثلة تمتد من جيمس جويس إلى سينما الطليعة ومن موسيقى شتوكهاوزن إلى تجارب جون كيج رافضا فكرة أن كل شيء يعني أي شيء nbsp بين لذة النص البارتي والتفكيك الدريدي انطلاقا من هذا التصور اختلف إيكو عن رولان بارت في كونه لم يطلق حرية القراءة إلى أقصاها كما اختلف من جهة ثانية عن جاك دريدا في أن المعنى ليس مؤجلا إلى ما لا نهاية ومن الواضح أن الدلالة عند إيكو ليست معطى جاهزا وفي الوقت نفسه ليست تيها بلا هدف ثمة حدود داخلية إذن يفرضها النسق الدلالي ذاته فالنص شبكة احتمالات لكنها شبكة ذات شكل محدد ويكتسب هذا الموقف بعدا تطبيقيا في رواياته لا سيما في روايته ذائعة الصيت اسم الوردة حيث تتقاطع طبقات تاريخية ولاهوتية وسيميائية متعددة فقارئ الرواية مدعو إلى فك ألغاز النص لكن الحل ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية فلا شك أن البنية السردية توجهه نحو تأويلات معينة وتغلق عنه أخرى إن اللعبة التأويلية ذات مسارب مقننة وليست متاهات لا نهائية حيث ينتج المعنى من التفاعل بين النص والقارئ داخل أفق ثقافي وسيميائي مشترك وبهذا يشكل موقفه محاولة لإعادة تأسيس نظرية في القراءة تعترف بالتعدد دون أن تتخلى عن فكرة الحدود هكذا يبدو إيكو وسيطا نقديا بين لذة النص البارتية والتفكيك الدريدي من حيث رفض المعنى الواحد وعدم الاستسلام لانفلات بدون ضبط بل انفتاح يظل منظما حيث يبقى فيه النص فضاء للحوار وليس متاهة دون مخرج جسر بين الثقافة العالمة والشعبية مما لا شك فيه أن تفكير إيكو لم يتوقف عند تلك الفكرة بل امتد أكثر ليشمل الثقافة بعموميتها إذ اعتبر أن السيميائيات أداة لإعادة تعريف الثقافة نظاما متكاملا من العلامات وبذلك فهي ليست محصورة في اللغة فقط إن التمييز التقليدي بين الثقافة العالمة مثل الأدب الكلاسيكي والفلسفة والثقافة الشعبية مثل الأغاني والمسلسلات والإعلانات يعاد تأطيره من خلال دراسة البنية الدلالية المشتركة التي تنتج المعنى عبر الترميز والتكرار والاستعارة والتناص بهذا المعنى أصبح النص الفلسفي والمسلسل التلفزيوني يخضعان للمنطق التحليلي نفسه عندها لا تعمل الظواهر الثقافية داخل نظام موحد بسيط بل ضمن شبكة من الأنظمة الدلالية المتداخلة التي تتفاعل ضمن ما يسميه أمبرتو الموسوعة أي ذاك الرصيد المشترك من المعارف والرموز والتقاليد التأويلية الذي يتيح إنتاج المعنى وفهمه فالعلاقة بين الدال والمدلول لا تختزل في تطابق ثابت بل تتحدد تاريخيا وثقافيا عبر أعراف وترميزات متراكمة بحيث تخضع النصوص الفلسفية والأعمال الأدبية والنتاجات الإعلامية لمنطق سيميائي مشترك من حيث آليات الاشتغال مع احتفاظ كل منها بخصوصيته التداولية والجمالية وبهذا تغدو الثقافة مجالا ديناميا لتفاعل العلامات وليس بنية مغلقة تحكمها وحدة صلبة إنما هي في الواقع شبكة مفتوحة من عمليات التأويل المنضبط داخل أفق موسوعي مشترك مسار مؤسسي لم تكن أفكار إيكو تلك مجرد تنظير بل تشكلت داخل نسيج مؤسساتي مواز لمساره الفكري ففي عام 1971 أسس إلى جانب باحثين آخرين مجلة فيرسوس versus التي أصبحت منبرا للحوار بين مدارس سيميائية متعددة وفي العام نفسه بدأ تدريس السيميائيات في جامعة بولونيا حيث نال كرسيها عام 1975 وساهم في تحويلها إلى أحد أهم مراكز البحث السيميائي في أوروبا كما أدار معهد علوم التواصل وترأس الجمعية الدولية للدراسات السيميائية مؤكدا أن السيميائيات ليست تأملا نظريا في العلامات فحسب بل علما يدرس أنماط إنتاج المعنى في الثقافة بكاملها من النصوص الأدبية إلى الإعلام والأزياء والطقوس الاجتماعية تجلى هذا البعد الموسوعي في محاضراته في كوليج دو فرانس عام 1992 بعنوان البحث عن اللغة الكاملة في الثقافة الأوروبية حيث بين أن فكرة اللغة الكاملة كانت حلما ثقافيا يعكس توترا بين الرغبة في وحدة المعرفة والاعتراف بالتعدد اللغوي وهكذا يتخذ عالم السيميائيات الإيطالي موقعا وسطا بين التأويل المنضبط والانفتاح الحر بين النظرية والممارسة وبين الثقافة العالمة والشعبية مؤكدا أن المعنى لا يتشكل إلا من شبكة من العلامات وأن الفكر لا يكتمل إلا حين يتحول إلى ممارسة حية قابلة للتحليل والفهم